تخلّي “إديسون” عن غاز الجزائر لن يؤثر على العلاقات مع إيطاليا
أكد الخبير الإيطالي والباحث في شؤون الطاقة والقضايا الجيوسياسية فرانتشيسكو ساسي، أن العلاقات الجزائرية – الإيطالية في مجال الطاقة لن تتأثر بقرار شركة “إديسون”، المملوكة لشركة الكهرباء الفرنسية العمومية “EDF”، بالتوجه نحو الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، مشددا على أن الجزائر تظل شريكا استراتيجيا لإيطاليا في قطاع الطاقة، غير أن خلفيات القرار قد لا تكون بعيدة تماما عن التوتر غير المسبوق القائم بين الجزائر وباريس، ما يفتح الباب أمام فرضية استغلال “إديسون” كأداة في الصراع السياسي-الاقتصادي بين البلدين.
قرار الشركة الإيطالية المملوكة لفرنسا يمكن إدراجه في خانة التوتر مع باريس
وكما هو معلوم، فقد أعلنت شركة “إديسون” الإيطالية خلال معرض ومؤتمر “غازتك” في ميلانو عبر رئيسها التنفيذي نيكولا مونتي، عن عقد جديد لها مع شركة “شل” لشراء 700 ألف طن سنويا من الغاز المسال الأمريكي بداية من 2028، مع تقليص أو التخلي عن وارداتها من الجزائر التي تقدر بمليار متر مكعب سنويا، إضافة إلى ليبيا.
وفي رده على سؤال لـ”الشروق”، حول قراءته لخطوة “إديسون” الإيطالية، شدد الخبير، وهو باحث ما بعد الدكتوراه وأستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة أوسلو (UiO) في النرويج، أين يعمل على القضايا الجيوسياسية، الطاقوية والعلاقات الدولية واستخدام الطاقة كأداة من أدوات الدولة، على أن القرار، شأنه شأن باقي تحركات الشركات الأوروبية الناشطة في مجال الغاز والغاز الطبيعي المسال “GNL” تحكمه في آن واحد اعتبارات اقتصادية وجيوسياسية.
وأوضح محدثنا أن هناك حاجة متزايدة لتنويع مصادر التوريد، مقابل العرض الأمريكي الذي ينتظر أن يتضاعف خلال العقود المقبلة، مضيفا أن الطاقة أضحت في صميم الصراعات الكبرى، فهي من جهة أداة جيوسياسية، ومن جهة أخرى هدف جيوسياسي، الأمر الذي يفرض على الصناعة الطاقوية العالمية التكيف بسرعة مع هذه التحولات، وإلا تحولت إلى مجرد أداة في يد السياسة.
وبخصوص المنطقية الاقتصادية لهذا الخيار في ظل قرب الجزائر جغرافيا وعرضها أسعارا أقل بكثير من الغاز الأمريكي البعيد آلاف الكيلومترات والأكثر كلفة، أوضح الخبير أن صناعة الغاز المسال الأمريكية تقوم على نموذج صناعي وتسعيري مختلف تماما عن نموذج الشراكة الاقتصادية والسياسية التي تعرضها الجزائر، المبنية على الاستمرارية والاستقرار.
وأشار الخبير فرانتشيسكو ساسي، الذي يساهم أيضا في أعمال وحدة أمن الطاقة بالمرصد البرلماني الإيطالي للسياسة الدولية التابع للبرلمان ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي بإيطاليا، إلى أن وفرة الغاز الصخري في الولايات المتحدة جعلت العرض الأمريكي مغريا بفعل أسعار تبدو تنافسية، لكنه حذر من أن هذه الأسعار شديدة التقلب بحكم طبيعة السوق العالمية المتغيرة باستمرار.
وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت باريس تحاول توظيف “إديسون” كذراع اقتصادي لعزل الجزائر عن السوق الأوروبية في ظل الأزمة السياسية غير المسبوقة بين البلدين، قال الخبير إن شركة بحجم “إديسون” لا يمكنها أن تضع نفسها رهينة لحسابات سياسية صرفة، رغم أن البعد الجيوسياسي يظل حاضرا بقوة.
وأوضح في هذا الشأن أن التوتر القائم بين الجزائر وفرنسا قد يكون من العوامل التي دفعت نحو تنويع مصادر التوريد، وهو ما حصل بالفعل في السنوات الأخيرة، غير أن جوهر الصفقة يبقى اقتصاديا بالأساس، بالنظر إلى عقد طويل الأمد مدته 15 سنة أبرمته الشركة مع “شل” لتوريد الغاز المسال من الولايات المتحدة.
أما بخصوص التداعيات المحتملة لهذه الخطوة على العلاقات الجزائرية – الإيطالية، فقد استبعد الخبير أي تأثيرات أو عواقب مباشرة، مذكّرا بأن بين البلدين اتفاقيات راسخة تعزز محور الغاز كأحد أعمدة التعاون الطاقوي.
لكنه حذر في المقابل، من أن التوترات العالمية والتحولات الاقتصادية الكبرى قد تفضي، على المدى المتوسط والبعيد، إلى انعكاسات غير متوقعة، ما يفرض على صناع القرار التحلي باليقظة.
وختم المتحدث بالتأكيد على أنه لا يرى في الأمد القريب أي تهديد للشراكة الجزائرية – الإيطالية بسبب اتفاق “إديسون” مع “شل”، مشيرا إلى أن الإمدادات الطاقوية القادمة من الجزائر تظل أساسية لضمان أمن الطاقة لإيطاليا وأوروبا على حد سواء.
يشار إلى أن الخبير فرانتشيسكو ساسي، سبق له أن اشتغل باحثا في شؤون أسواق الطاقة والجيوسياسة في مركز الدراسات الدولية “RIE”كما كان باحثا بجامعة “بيزا” التي نال منها شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، تخصص الجيوسياسة، من خلال مشروع بحثي حول الربط الغازي بين الصين وروسيا.