الرأي

ترابٌ ليس لك

أساتذة الكذب في العالم قديما وحديثا هم هؤلاء القوم المسمّون “فرنسيون” فهم لا يستطيعون صبرا على ممارسته، هواية واحترافا، وقد صدق السياسي فرحات عباس عندما قال وقد خبرهم باطنا وظاهرا: “إن الفرنسيين عندما لا يجدون من يكذبون عليه يكذبون على أنفسهم”.
وإن تعجب فاعجب لهم، إذ أنهم هم أول المصدقين لكذبهم، الذي سرعان ما ينكشف… ومن اطّلع على جزء بسيط من أدبياتهم تبين له هذا الكذب من دون إجهاد فكر وإنعام نظر.. ولو أجبروا أو اضطروا إلى قول الحقيقة لما طاوعتهم ألسنتهم الناطقة وأقلامهم الكاتبة.
ومما ملأ به الفرنسيون كتبهم ومجلاتهم وجرائدهم أنهم وجدوا الجزائر عند احتلالهم لها ملأى بالمستنقعات، لا تصلح لاستنبات زرع ولا لتربية ضرع، وقد بذلوا ما بذلوا من جهود وأموال حتى أصلحوها وصيروها – زعموا– “جنة أرضية”.
ونسأل هؤلاء الفرنسيين البهّت إذا كانت الجزائر كما تزعمون، فإلى من لجأتم عندما حوصرتم من دول العالم بعد ثورتكم؟ وفي أي أرض استنبت القمح الذي اشتريتموه، ولماذا لم تدفعوا ثمنه إلى اليوم؟ وقد اشتكى أحد قناصلتكم في الجزائر في أحد تقاريره من سعي القنصل الإنجليزي لدى السلطات الجزائرية حتى لا تمدّكم بقمحها.. ولكنكم “جعتم فكنا كراما، وكم تبطر المكرمات اللئام”، كما يقول مفدي زكرياء.
ذكر الأستاذ الدكتور صالح فلاحي، أستاذ الاقتصاد في جامعة المجاهد الحاج الأخضر في باتنة، في كتابه القيّم: “الصراع السرمدي، أو عندما يأبى التاريخ أن يتوقَّف”، وقد شرّفني بكتابة مقدمته، ذكر نقلا عن الصِّحافي التركي أرسلان هيمباراسي أنه في صائفة 1962 عندما كان الأوغاد الفرنسيون يعودون إلى بلدهم، كان أحد المجاهدين في ميناء مدينة الجزائر يشرف على عملية ركوب أولئك الأوغاد، رأى فرنسية تحمل “مزهرية” فيها زهرات، فتقدّم منها، وأفرغ المزهرية من التراب، ثم أعاد إليها الزهرات قائلا: “هذه لك، أمّا الترابُ فهو جزائريّ”، (صص 65، 66). رحمك الله يا أستاذ صالح، وأنت ابن الأوراس، والجزائر، وابن شهيد، وأستاذ في الجامعة التي كانت مطارا لطائرات المجرمين الفرنسيين، تزرع الموت، وتدمِّر الحياة… فصيَّره المجاهدون جامعة تعلّم العلم الذي حرمتنا منه فرنسا.
لقد جاءنا الفرنسيون في 1830 حفاةً، عراة، جياعا، فوجدوا “جنة أرضية” كما وصفوها، وأخرجوا منها آباءنا وأجدادنا، واغتصبوا أرضنا، وما تحت الثرى، وما هي إلا سنوات قليلة حتى انتعلت أرجلهم وكُسيت أجسامهم بأرقى الحلل، وانتفخت بطونهم بما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين…
وها هي الجزائر تتخلّص من عصابات “حزب البعث الفرنسي في الجزائر” كما سمّاه صادقا الأخ أحمد ابن نعمان، وهو الحزب الذي كاد يعيد فرنسا إلى الجزائر، خاصة في عشريتي “عبد القادر المالي”.
سبق نشرُه

مقالات ذات صلة