ترامب وأقلامُ التلوين
يبدو أن أقلام التلوين، التي ظننا أنها صارت من الماضي الدراسي الجميل، قد عادت وبقوة إلى العالم، ولكن في زمنه غير الجميل، فعندما حمل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حقيبته مغادرا البيت الأبيض، كتب بقلم أسود داكن، تغريدة رسم بها المغرب الأقصى واسع الأرجاء، جنوبا، ومنذ ذلك الحين، وأهلُ المخزن يحملون أقلام التلوين، يرسمون خارطة وهمية، بل خرائط وهمية، من نسج الخيال لمملكةٍ مغربية، لم يصل أهلها بعد إلى درجة الحلم بها.
ولأنّ ترامب رسم على نهج سالفيه الخرائط الوهمية في الشرق الأوسط والمغرب العربي وشرق آسيا وأمريكا الوسطى، فإنه قرر رسم خارطة جديدة للكيان الصهيوني، بعد أن اكتشف أن الكيان الذي يكبره هو بسنتين “ترامب من مواليد 1946 والكيان تم زرعه سنة 1948″، اكتشف أنه صغيرُ المساحة، ويجب توسيعه، من الأراضي المحيطة به.
الأقلام التي يحملها ترامب لا يمكن إغفالها، فالرجل يريد فعلا رسم خارطة صهيونية جديدة هي في الأصل مرسومة لدى كبار الصهاينة الذين علّموا ترامب وأمثاله سِحر الرسم التوسُّعي، ومخرجات الحرب الدائرة في غزة منذ قرابة سنة، هي التي ستحدد مقدرة الرجل والكيان وحلفائهما على عملية الرسم، التي بدأت خلال نكبة سنة 1948 وصارت حقيقة في نكسة سنة 1967 ويريدون لها التغيير إلى الأسوإ، خلال خذلان سنة 2024.
ومع أن الولايات المتحدة الأمريكية منذ احتضانها للكيان الإسرائيلي في أواخر ستينيات القرن الماضي، وهي تحمل الأقلام الملوَّنة بيد، لتوسيع خارطة ما يسمى “إسرائيل”، والممحاة بيد أخرى، في محاولة لمحو قطع من دول عربية كثيرة مثل فلسطين ومصر وسوريا والأردن ولبنان، إلا أن الصمت العربي كان أتعس من الأقلام والممحاة، إذ لم يعلّق أي كان على “حلم” الرئيس المحتمل للولايات المتحدة الذي قال بصريح العبارة إنه سيسعى لتوسيع خارطة الكيان المزروع في أرض فلسطين.
في زمن سابق، كانت الأحلام التوسُّعية والاستعمارية تبقى في السرّ والكتمان، بين الشك في إمكانية تحقيقها والخوف من ردّ فعل الطرف الثاني وهو العرب، ولو قال إيزنهاور أو كينيدي أو جونسون أو نيكسون أو فورد أو كارتر أو ريغن أو كلينتون أو عائلة بوش، أو حتى أوباما، وهم رؤساء زمن النكبة، ما قاله ترامب عن توسيع خارطة الكيان، لما مرّ قولهم من دون ضجيج، كأضعف الإيمان، ولكننا للأسف في زمن ظهر فيه ساسة عرب يقدِّمون المساعدة للإسرائيليين، لكسر شوكة المقاومة وأئمة لا يترحّمون على الشهداء ولا يعتبرونهم من الذين قُتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون، وشعوب تتقاسم لهو المهرجانات ولعب الكرة.
لا توجد صراحة وشفافية وبوح مثل الذي حصل في الحرب العالمية على غزة، فقد خرج كل واحد من العالم الغربي وأعلن صراحة عن هويته وأهدافه ومشاعره نحو الآخرين، ونحو العرب على وجه الخصوص.
يقال إنه في زمن تغوّل المغول على المسلمين، ومحاولة إبادتهم، كان المسلمون يهربون، وبمجرد أن يقبض عليهم مغولي يترجّونه: “بالله لا تقتلني”، إلى أن غرّد المغول بأغنية شاعت وانتشرت بعنوان: “بالله لا تقتلني”، وللأسف إذا بقي صمت القبور على حاله، فإننا غير بعيدين عن زمن: “بالله لا تقتلني”.