ترامب يستهدف عبد الرحمن السيد وزوجته المحجبة.. وردّ ناري يقلب هجومه ضده
تحول هجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المرشح الديمقراطي التقدمي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن السيد، وزوجته المحجبة، إلى مواجهة سياسية تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية، بعدما اختار ترامب أن يجعل الصورة والهوية الشخصية جزءا من رسالته ضد منافسه.
ونشر ترامب على منصة “تروث سوشيال” صورة تجمعه بزوجته ميلانيا ترامب، إلى جانب صورة عبد الرحمن السيد وزوجته، وكتب فوق الصورتين عبارة “أمريكا مختلفة تماما”، في إشارة واضحة إلى التباين الذي أراد إبرازه بينه وبين منافسه.
New media post from Donald J. Trump
( TS: Aug 8 2026, 10:21 PM ET ) pic.twitter.com/UmSvt47ZlW
— Commentary Donald J. Trump Truth Social Posts On X (@TrumpTruthOnX) August 9, 2026
وأثارت المقارنة انتقادات حادة من نشطاء ومدونين، اعتبروا أن المنشور يحمل إيحاءات تمييزية، ويربط بين المظهر الخارجي والانتماء الديني وبين مفهوم “أمريكا الحقيقية”.
وقال منتقدون إن الصورتين تعكسان نماذج مختلفة من العائلات وقصص النجاح داخل المجتمع الأمريكي، ولا ينبغي توظيف الاختلافات الدينية أو الثقافية في إطار الاستقطاب السياسي.
ودعا كثيرون إلى أن يتركز النقاش حول مفهوم “أميركتين مختلفتين” على السياسات والقوانين والقضايا التي تهم الأميركيين، بعيدا عن تقييم الأشخاص أو مظهرهم، مؤكدين أن حماية الحريات والحقوق الدستورية تشمل العائلات بمختلف خلفياتها الدينية والثقافية.
تعليق ترمب الذي شاركه أمس ينضح كراهيةً للإسلام والمسلمين إذ يسخر من حجاب زوجة عبدالرحمن السيد.
لكن أيُّ الصورتين أشرف لأمريكا؟
عبد الرحمن السيد طبيب حصل على الدكتوراه من أوكسفورد ،، وزوجته الطبيبة النفسية التي ترتدي الحجاب؟
أم ترمب صاحب كازينوهات القمار صديق إبستين والذي اعترف… pic.twitter.com/GEKLx2Hpng— Mourad Aly د. مراد علي (@mouradaly) August 10, 2026
ولم تنته الرسالة التي أراد ترامب توجيهها عند هذا الحد، إذ أعاد عبد الرحمن السيد صياغة المشهد بالكامل، وحوّل عبارة “أمريكا مختلفة تماما” من أداة للهجوم إلى مدخل لانتقاد الرئيس وسياساته.
وخلال مقابلة مع شبكة “سي إن إن”، قال السيد إن ترامب محق بالفعل في الحديث عن وجود “أمريكا مختلفة تماما”، لكن ليس بالطريقة التي قصدها الرئيس.
وبدلا من الدخول في سجال شخصي، وضع السيد المقارنة في إطار سياسي واجتماعي، متحدثا عن نموذجين مختلفين لأمريكا؛ نموذج يرى أن السلطة والثروة والنفوذ هي جوهر السياسة، ونموذج آخر يركز على الأسرة والقدرة على بناء حياة مستقرة وتأمين مستقبل أفضل للأطفال.
وقال السيد إن هناك “أمريكا يكون فيها من يحكمونك شخصين لا يحبان بعضهما، لكنهما متحدان لمصلحة جمع مليارات الدولارات منك”، في إشارة إلى ترامب وزوجته، وفقا لصحيفة “ذا هيل”.
وفي المقابل، أضاف أن هناك “شخصين يحبان بعضهما بصدق، استمتعا بتناول الفطائر معا، ويريدان أن يتعاونا لبناء نوع أمريكا التي يستطيعان فيها تربية أسرة، ويعرفان أن تلك الأسرة ستحظى بالأشياء الجيدة”.
وتابع: “لذلك نعم، هناك رؤيتان مختلفتان لأمريكا. رؤية دونالد ترامب هي التي تعيشونها الآن”.
El-Sayed on Trump posting an image of him and his wife in a restaurant with the caption “two VERY DIFFERENT Americas”: “He’s right. One in which your overlords are two people who don’t like each other but joined in the interest in making billions of dollars off of you, or two… pic.twitter.com/i15NV1bv5I
— Aaron Rupar (@atrupar) August 9, 2026
وهنا تحديدا، بدا أن الهجوم الذي أراد ترامب من خلاله إبراز الاختلاف بين الصورتين قد فتح الباب أمام خصمه للحديث عن اختلاف أعمق يتعلق بصورة المجتمع الأمريكي نفسه، فوجود زوجة السيد المحجبة في الصورة لم يكن تفصيلا عابرا بالنسبة إلى كثير من المتابعين، خصوصا في ظل تاريخ طويل من الجدل الأمريكي حول مكانة المسلمين والمهاجرين والرموز الدينية في الحياة العامة.
والحجاب، الذي حاولت بعض الخطابات السياسية تقديمه باعتباره رمزا للاختلاف الثقافي، يمكن أن يُقرأ من زاوية أخرى باعتباره صورة من صور التنوع الذي يميز المجتمع الأمريكي.
ومن هذه الزاوية، فإن ظهور امرأة محجبة إلى جانب مرشح يسعى للوصول إلى مجلس الشيوخ الأمريكي يحمل رسالة سياسية بحد ذاته: الولايات المتحدة التي يتحدث عنها السيد هي بلد يمكن أن تكون فيه الهوية الدينية والثقافية جزءا من المشهد العام، من دون أن تمنع صاحبها من المشاركة السياسية أو التنافس على أعلى المناصب.
أما ترامب، فقد اختار مجددا أسلوب المواجهة المباشرة مع الخصوم، وهو أسلوب أصبح سمة بارزة في خطابه السياسي. فبدلا من الاكتفاء بانتقاد أفكار السيد أو برنامجه السياسي، انتقل إلى الصورة والاسم والهوية، وهي أدوات غالبا ما تكون أكثر قدرة على إثارة الجدل من النقاش حول البرامج والسياسات.
لكن هذا النوع من الهجمات يحمل مخاطرة سياسية واضحة؛ إذ يمكن أن يدفع الخصم إلى إعادة توجيه النقاش من الشخص إلى السياسات، ومن الصورة إلى الواقع الذي يعيشه الناخبون.
وهذا تحديدا ما فعله عبد الرحمن السيد عندما طرح مجموعة من الأسئلة الاقتصادية البسيطة والمباشرة: هل يستطيع الأمريكيون تحمل تكلفة الوقود؟ هل يستطيعون تحمل أسعار البقالة؟ وهل يعتقدون أن أطفالهم سيحصلون على مستقبل أفضل من مستقبلهم؟
بهذه الطريقة، حاول السيد نقل المعركة من صورة نشرها ترامب على منصة اجتماعية إلى قضايا تمس الحياة اليومية للمواطن الأمريكي. والأهم أنه أعاد استخدام عبارة ترامب نفسها ضده.
وقال المرشح ذو الأصول المصرية إن هناك بالفعل “أمريكا مختلفة تماما”، لكنه قدمها باعتبارها مواجهة بين رؤيتين متناقضتين للبلاد، رؤية يرى أنها تمثل أمريكا التي يعيشها المواطنون الآن، ورؤية أخرى يقول إنها تقوم على بناء بلد يستطيع فيه الناس تربية أسرهم والتمتع بفرص أفضل.
وتزداد أهمية المواجهة مع صعود السيد إلى واجهة المشهد السياسي بعد فوزه بفارق ضئيل في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ في ميشيغان، في مواجهة النائبة المعتدلة هيلي ستيفنز.
فالسجال مع ترامب لا يدور فقط حول مرشح واحد، وإنما يعكس صراعا داخل الحزب الديمقراطي نفسه حول الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه في السنوات المقبلة، بين تيار تقدمي يريد توسيع خطابه بشأن العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وجناح أكثر اعتدالا يفضل خطابا وسطيا.
وفي هذا السياق، يبدو أن ترامب أدرك أهمية السيد كخصم صاعد، فاختار مهاجمته مبكرا. غير أن الرد جاء ليكشف أن الصورة التي أراد الرئيس استخدامها لإظهار “اختلاف أمريكا” يمكن أن تصبح بدورها مادة لنقاش أكبر حول معنى الاختلاف والتنوع والانتماء في الولايات المتحدة.
فالمسألة في النهاية ليست صورة رجل وزوجته، ولا حتى حجاب امرأة ظهرت إلى جانبه، وإنما سؤال سياسي أعمق: من يملك حق تعريف صورة أمريكا؟
هل هي أمريكا التي تختزل خصومها في أسمائهم وهوياتهم وصورهم؟ أم أمريكا التي ترى في التنوع الديني والثقافي جزءا من تركيبتها السياسية والاجتماعية؟
عبد الرحمن السيد اختار أن يجيب بطريقته: نعم، هناك “أمريكا مختلفة تماما”. لكن هذه المرة، لم تعد العبارة مجرد تعليق كتبه ترامب على صورة، بل تحولت إلى عنوان لمعركة سياسية حول مستقبل الولايات المتحدة، ومن يملك الحق في رسم صورتها أمام العالم.