الرأي

ترامب يقرع أجراس الهزيمة

حسين لقرع
  • 161
  • 0

بعد أسبوعين فقط من بداية الحرب، بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستفيق على الحقيقة المرّة؛ فإيران تسيطر على مضيق هرمز وتتحكّم كلّيا في حركة الملاحة فيه، وتقرِّر وحدها بشأن ناقلات النفط التي تسمح لها بالمرور من المضيق وتلك التي تمنعها، كما تتحكّم في أسعار النفط والوقود والبورصات العالمية.. وهنا أقرّ ترامب ضمنيًّا بعجزه عن فتح المضيق بالقوة كما تبجَّح من قبل، وبعث نداء استغاثة لحلفائه في حلف شمال الأطلسي “الناتو” لإرسال سفنهم الحربية إلى المضيق ومساعدته على فتحه!

من يصدِّق أنّ ترامب الذي كان يصعِّر خدَّه للناس من فرط الغرور والصلف والاستعلاء طيلة الأيام الـ18 الماضية من الحرب، ويدّعي مرارا تحقيق النصر الساحق، وأنّه قضى على الجيش الإيراني والحرس الثوري ودفاعها الجوي وقدراتها الصاروخية والمسيّرة، يتراجع الآن ويستغيث بحلفائه الغربيين لإرسال سفنهم الحربية إلى مضيق هرمز لإعادة فتحه بالقوة؟!

هو منطقُ القوة ذاته الذي أعمى بصيرته قبل شنِّ هذه الحرب الجائرة خدمةً للكيان الصهيوني؛ فقد حذّره رئيسُ هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين من أنّ إيران ستعمُد إلى غلق مضيق هرمز وتمنع مرور 20 بالمائة من النفط العالمي عبره، ما يؤثّر بشدّة في أسعار النفط والاقتصاد العالمي، لكنّ الرئيس المنتفخ غرورًا وعنجهيةً لم ينصت إلى هذه التحذيرات الواقعية، وادّعى أنّه سيحقِّق “نصرا سريعا وحاسما” على إيران ويجبرها على “الاستسلام المطلق” لشروطه قبل أن تتمكّن من غلق المضيق، ولكنّ هذا السيناريو لم ينجح وصمدت إيران ثمّ قصفت 16 ناقلة نفط ودفعت شتَّى دول العالم إلى التوقف عن المرور بالمضيق، فأسقِط في يده وأدرك أنّ تنفيذ وعده بمرافقتها ببوارجه ومدمِّراته يعني تعريضها للإغراق بالزوارق المسيَّرة الانتحارية أو الصواريخ أو الطائرات المسيَّرة، وخلال دقائق قليلة، فلم يجد بدًّا من طلب النجدة من حلفائه الغربيين للمخاطرة بدورهم وإرسال سفنهم الحربية إلى هذا الممرّ المائي الحيوي، بذريعة أنّهم هم الذين يستوردون النفط من الخليج ويمرّون من المضيق ولا بدّ أن يؤمِّنوا ناقلاتهم بأنفسهم، وأنذرهم بأن “الناتو سيواجه مستقبلا سيِّئا جدا” إن لم يستجب لطلبه!

إلى حدّ الساعة، لم تلبِّ أيُّ دولة طلب ترامب وتخلّى عنه حلفاؤه جميعا، وفي مقدّمتهم ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا واليابان… لا أحد منهم مستعدٌّ لإرسال سفنه الحربية إلى مضيق هرمز وهو يعلم يقينًا أنّها معرَّضة للإغراق، إذا كان نتنياهو قد استطاع التغرير بترامب بكلّ سهولة وجرِّه إلى هذه الحرب الخاسرة التي ستضرب هيبة الولايات المتحدة الأمريكية في مقتل، فإنَّ باقي القادة الغربيين يبدون منذ الأيام الأولى للحرب متحفّظين جدًّا منها، صحيحٌ أنّهم لم يدينوها، لكنّ تصريحاتهم أيضا يبدو فيها الكثيرُ من العتاب لترامب على شنِّها من دون ضرورة في وقتٍ كانت فيه الديبلوماسية تتَّجه إلى انجاز اتفاق جديد بين طهران وواشنطن يحل خلافهما النووي جذريًّا، لذلك لا نعتقد أنَّ أيِّ بلدٍ سيغامر بإرسال سفنه الحربية لمرافقة ناقلات النفط لإرضاء ترامب وكسب ودِّه، وسيجد نفسه وحيدا كما وجدها في البحر الأحمر من قبل في مواجهة الحوثيين، ما أجبره في آخر المطاف على عقد اتفاقٍ معهم في 6 ماي 2025 والانسحاب من المنطقة ليترك حليفه الصهيوني وحده.

والطريف في الموضوع أنّ ترامب يطالب الصين أيضا بإرسال سفنها الحربية إلى مضيق هرمز لتأمين مرور ناقلاتها؛ أي أنّه يريد الزجَّ بها في حرب غير مبرَّرة مع حليفها الذي يرفِّر لها 90 بالمائة من احتياجاتها النفطية ويؤمِّن بنفسه مرور ناقلاتها من المضيق يوميًّا، فهل يعتقد ترامب أنّ القادة الصينيين سذّجٌ إلى درجة جرِّهم بسهولة إلى حربه وحرب نتنياهو الخاسرة، ومع حليفهم؟!

وإزاء هذه الورطة الكبيرة، لا مناص لترامب من إعلان نهاية الحرب حتى لو ادَّعى نصرا كاذبا لحفظ ماء وجهه، والسعي بعدها إلى تسويةٍ سياسية شاملة مع طهران. أما إذا فضَّل مواصلة الهروب إلى الأمام وازداد تهوُّرا ونفّذ تهديده بإرسال جنوده لاحتلال جزيرة خرج التي لا تبعد عن إيران سوى بـ26 كيلومترا فقط بهدف الاستيلاء على 90 بالمائة من نفطها، فقد تتركه إيران يفعلها، وبعدها ستواجههم يوميًّا بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، في حرب استنزافٍ ستُجبر أمريكا في نهاية المطاف على الانسحاب صاغرة ذليلة كما فعلت من قبل في فيتنام والعراق وأفغانستان، وبالتأكيد سينتهي بعدها ترامب سياسيًّا بعد أن يتسبَّب في كارثةٍ إستراتيجية لبلده تسرّع بانحسار كبير في نفوذها لصالح قوى عالمية أخرى وفي مقدِّمتها الصين وروسيا.

مقالات ذات صلة