الرأي

ترحال عرب آخر الزمن عبر المتشابه من “الثقب الدودي”

حبيب راشدين
  • 5262
  • 17

بين حكام معمرين استوطنوا السلطة وهم في أرذل العمر، يلحنون بلا خجل في الأفعال والأقوال، وشباب عالق في العوالم الافتراضية ينتظر زمن المهدي من آل البيت أو من بيوت الآل، لم يعد العرب خارج الزمن كما يقال، بل هم في ترحال متواصل داخل الأزمنة الثلاث معا، وقد دشنوا قبل الوقت حقبة السفر الحر عبر الزمن من الثقوب الدودية.

 

كان بوسع المواطن العربي في العامين المنصرمين أن يتتبع وقائع وأحداث تاريخ عربي لثلاث حقب متزامنة، وكأنها تجري في عوالم متوازية متجاورة، لو خر أحدها لسقط فوق الآخر، حيث كان بعض العرب يرى عند جاره مفردات حقبة من ماضيه البعيد، فيما كان الجار يرى عنده صورة لحاضره القريب، ويرى عند الثالث قبسا من مستقبل قد لا يطول به العمر بما يكفي حتى يكون عليه من الشاهدين.

فرئيس الحكومة القطرية ووزير خارجيتها، القادم من بلد حقبته التاريخية في مفردات الحكم والسياسة تعود لما قبل وصول الإسلام إلى تلك العقلة من الإصبع المتصلة بجزيرة العرب، يكون قد امتهن الترحال المتواصل بين عوالم العرب المتجاورة في المكان، المتباعدة في الزمن، يتناول فطوره وهو حاكم ببلد يحتكم لقانون العشيرة الجاهلي، ويتغذى في بيت الفراعنة مع “ثوار الفيس بوك” وإخوان من الشيوخ الملتحين، ليتعشى مع صديقه من الجزائر الذي سبق غيره إلى تفكيك “فلول” الرافعين لشعار “الإسلام هو الحل” وقد ينفق الثلث الأخير من الليل في التهجد الماجن مع عرابه وولي نعمته بأقرب ملهى من البيت الأبيض. 

 .

حل وترحال عبر “الثقب الدودي” 

الصورة قد تبدو ساخرة بعض الشيء، سريالية عند آخرين، لكنها ليست بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الشعب العربي من الماء إلى الماء، وقد تقطعت به الأسباب، وضاع منه خيط الزمن، حتى أنه لم يعد يميز بين صيغ صرف الزمن الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.

 

“صورة ترحال العرب بين أزمنة ثلاثة عبر ثقوب دودية افتراضية، ليست بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الشعب العربي من الماء إلى الماء، وقد تقطعت به الأسباب، وضاع منه خيط الزمن، حتى أنه لم يعد يميز بين صيغ صرف الزمن الثلاث”

 

   فالشباب العربي المتصل عبر مواقع التواصل الاجتماعية يدرك بحس افتراضي، أنه فاعل مع شركائه في الخلق من جهة البعد الزمني على الأقل، خلال الساعات الطوال التي يقضيها وهو عالق بحبال الشبكة، يتفاعل، ويعلق، ويتقاسم بالصوت والصورة، فينشأ عنده إحساس كاذب خادع على أنه ابن زمنه، شريك في المغامرة البشرية المتواصلة، ليس عليه قيد ولا رقيب يحسب له وعليه أنفاسه، ثم ما يلبث، بعد الانفصال الاضطراري عن الشبكة، حتى يعود الشاب القطري واليمني عبر ما يشبه “الثقب الدودي” كما يسميه علماء الفلك، إلى تاريخ حكم القبيلة، ويعود المصري عبر نفس القناة إلى حقبة تاريخية لم يتوافق المؤرخون بعد حولها، أهي من الماضي السحيق، أم أن ميدان التحرير فيها يكون قد فتح بابا من أبواب السماء على الحاضر، وربما على المستقبل كما يدعي حكامه الجدد، وحده راكب أمواج الشبكة الجزائري في المحيط الافتراضي قد لا يشعر بالحركة، لأنه يعيش حقبة مختلطة من الأزمنة الثلاث، ولم يعد يلتفت إلى الزمن أصلا، بعد أن تعلم من الزمن الناسخ لحقبة الحزب الواحد، أن الزمن قد أصبح حلقة مفرغة، توحدت فيها اتجاهات صرف الأفعال بصيغة منع الأفعال من الصرف والفاعلين من التصرف، وهو لأجل ذلك يرى رأي العين أن أشقاءه من أزمنة العرب الثلاث قادمون إلى حلقته الزمنية المفرغة إن عاجلا أم آجلا. 

 .

متلازمة الفرعونية في جينوم الأقباط 

فالأشقاء “الثوار” في مصر عاشوا في أقل من سنتين ثلاثة مواسم مختلطة متداخلة، ربيع بلا براعم ولا أزهار يولد في شتاء ممتد على رماد شباب ينتحر حرقا، وخريف مبكر يسبق فصل جني الغث من الغلال، بل يعدهم ببقرات عجاف يأكلن سنابل يابسات مما يكون قد صرف عنه النظر عمال مخازن النبي يوسف. الأمر اليقين عندهم أن الزمن الفرعوني هو في مصر “ثابت تاريخي” أصدق من “ثابتة بلانك” في الفيزياء، بل أن المتغير الوحيد فيه هو أن فرعونية العصر الحديث قد فقدت القدرة على الحلم، وحين ترى ما يراه النائم من الرؤى المروعة للبلاد والعباد، لا تقلق قلق فرعون الإنجيل والقرآن الذي لم تأخذه العزة بالإثم بعد أن روعته الرؤيا، فأحضر النبي السجين للمشورة والعبور، ثم وضعه على خزائن الأرض حتى يتدبر بكفاءة سنوات البقرات العجاف، وحتى لا يلجئه العام الذي يغاث فيه الناس وفيه يعصرون إلى طرق باب صندوق النقد الدولي.

   حاكم مصر، الخارج مثل بقية حكام الربيع العربي من سجون الفراعنة الجدد، يكون قد التبس عليه الزمن، وظن أن خريج السجن قادر بالضرورة على العبور حتى من غير حاجة لمن يعبر له رؤى اليقظة، وإن كان لابد، اتخذ من عشيرة الإخوان أشطرهم، يوليه إدارة ملف السنوات العجاف مناصفة مع رئيسة صندوق النقد الدولي، ولم يشذ في ذلك عن سنة سنها نظيره الإخواني الآخر في تونس، الذي لا يبدو أن وجدانه قد تحرر من سجن بن علي، حتى بعد قضاء فترة نقاهة لا تقل عن عقدين بجوار “هايد بارك” فقد اختار استبدال رئيس الحكومة وزميل السجن بنسخة من ذوي السوابق كان على رأس وزارة الداخلية، وكأنه لا يرى كفاءات تصلح لإدارة شؤون تونس في هذا الزمن المتعثر، إلا عند من كان له شهادة سوابق عدلية من زمن الاستبداد المطاح به.

 .

ثورة الجياع على الفرقة الناجية

 وحتى تكتمل “الخلطة” الزمنية، فقد عاد الزمن الذي ظن بعضهم أنه قد أفلح في إسقاطه، ليتداخل مع زمن السقوط الحر لحركة الإسلام السياسي، التي لم تلتفت إلى محاذير تولي أمر المسلمين بشعار “الإسلام هو الحل” مشروط بأخذ الإجازة الفقهية العليا من سيدة الصندوق الربوي الدولي، وفي أثناء ذلك ما تزال آلة تسويق الأساطير تشتغل في ربوع الربيع العربي، تعد الدهماء بالفردوس قبل كل استحقاق انتخابي، لتستدعي في اليوم الموالي الناحبات المحترفات يندبن حظ البلد المتعثر بما ورثه عن الزمن البائد، وتخويف فلول الكثرة الباقية بعودة القليل من “الفلول” البائدة، وترهيب الإسلامي المتخشب بالعلماني المتأبط شرا، واليميني المشلول باليساري الموتور، والعلية الناجية “دايما” بثورة قادمة من الجياع على مدار الزمن.

المشهد بالكامل مستنسخ من زمن مجاور، خبره الجزائريون من المتشابه من ربيع الشعوب منذ عقدين، وهو متواصل في زمن متجمد داخل فقاعة صابون، يتناطح داخلها أكثر من “جيل طاب جنانو” حتى أن أحد الزملاء من كتاب “الشروق” يكون قد تجاهل حجم القطيعة الزمنية بين جيل الحزب الواحد، وشعب من جيل الشباب المتعدد، الذي يسمع منذ خمسة عقود جعجعة “جيل طاب جنانو” ولا يرى لها طحينا بالمعنيين الحقيقي والمجازي، فكانت ردة فعل القراء من جيل الشباب ساخطة فوق ما كان يتوقع الكاتب، الذي يكون في الحد الأدنى قد صرف النظر عن مقدار صبر “جيل الشباب” على جيل من “أرذل العمر” ما يزال يعتقد مثل صاحب الجنة في المحكم من التنزيل، وقد “دَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً”35″ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً”36” الكهف.

 .

لحن الشيوخ لشباب ممنوع من الرقص

في بداية عهدته الأولى نطق الرئيس بوتفليقة بقدر من الحكمة، مستعينا بمثل شعبي ما ترجمته بالفصيح: “كم في الرأس من ألحان لكن أين الأرجل التي ترقص عليها” وخلته وقتها قد وقف عند بيت القصيد، وأدرك أم الإشكاليات المطروحة على شعب ثلاثة أرباع نسمة دون العقد الثالث، يتولى ولاية أمره معمرون قد استثناهم قانون الخلود في السلطة من أحكام قانون التقاعد الطبيعي.

“التاريخ البشري يقف بنا عند لحظات التغيير الكبرى، التي كانت في الغالب على يد قادة من الشباب، بدءا بالأسكندر المقدوني الذي طوى الأرض تحت أقدامه وهو دون الرابعة والعشرين، وانتهاء بنابليون بونابرت وقد ملك أوروبا حتى جبال الأورال وهو دون العقد الرابع”

ولا بأس عندي أن يعترف جيل الشباب، أن “من فاتك بليلة يكون قد فاتك بحيلة” على أن يعترف المسنون بأن الحيلة عند المعمرين هي في ترك التحايل على الزمن، ثم يعتبر منهم من يعتبر بمن سبقهم وبدروس التاريخ، بل بدروس من تاريخ الجزائر القريب جدا.

ثم هل يعقل أن يكون البشر أعلم بالعباد من رب العباد، وقد اختار جل جلاله لحمل رسالته الخاتمة محمدا صلى الله عليه وسلم وهو في العقد الرابع، وبعث عيسى عليه السلام وهو في المهد، ليتم رسالته وهو في العقد الثالث، ويكاد يكون نوح عليه السلام هو الاستثناء، بشهادة الآية الكريمة: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُون”؟ أم هم أعلم بمعادن الرجال من سيد المرسلين وقد كان آخر قرار له قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى، إرسال جيش من كبار الصحابة، والقراء، وقادة الحرب، تحت إمرة زيد وهو دون التاسعة عشر؟

التاريخ البشري يقف بنا عند لحظات التغيير الكبرى، التي كانت في الغالب على يد قادة من الشباب، بدءا بالأسكندر المقدوني الذي طوى الأرض تحت أقدامه وهو دون الرابعة والعشرين، وانتهاء بنابليون بونابرت وقد ملك أوروبا حتى جبال الأورال وهو دون العقد الرابع. والأمثلة كثيرة لا تحصى من قيادات الدول، ومن نخبة النوابغ في الفنون والعلوم والمعارف، حتى أن الإبداع فيها يكاد يكون حكرا على الشباب.

 .

الوثوق في شباب فقد الثقة في الآباء

 ومع ذلك لا ضير من الاعتراف للكهول والمعمرين بالحكمة، وبامتلاء رؤوسهم بكثير من الألحان كما قال الرئيس، لكنهم أعجز ما يكونون عن الدخول بكفاءة في حلبة الرقص، ولو كنا في زمن سوي غير هذا الزمن المتداخل بأبعاده الثلاثة وسط حلقة مفرغة، لكنا اهتدينا بيسر إلى الوثوق المبكر بقدرة الشباب على حمل الأمانة، ثم لا مانع بعد ذلك أن نعضدهم بحاشية من الحكماء المسنين وذوي الخبرة، يتولون المشورة دون إلحاف داخل غرفة الشيوخ، ثم نحرم على من هم فوق الأربعين، بقانون دستوري ملزم، المناصب القيادية في الأحزاب، وغرفة النواب، والحكومة، ومختلف مؤسسات الدولة، ولهم بعد ذلك أن يتمتعوا بما طاب في جناتهم حتى يتطيب جنانهم. 

 

مقالات ذات صلة