الرأي

تركيا.. أيّ فاتورةٍ تدفع؟

صالح عوض
  • 3628
  • 0

لم تمض ساعاتٌ على توقيع اتفاقية التطبيع السياسي والأمني والاقتصادي بين تركيا والكيان الصهيوني حتى أصبحت تركيا محل استهداف لأخطر عملية أمنية تضرب بعنف مطار كمال أتاتوك باسطنبول؛ أكبر مدينة اقتصادية وسياحية تركية.. يجيء هذا في ظل سياقات سياسية تنتهجها الحكومة التركية في محاولةٍ لتخفيف التوتر الإقليمي حولها على طريقة رسالة الاعتذار التي ضمّنتها مكالمة الرئيس التركي أردوغان للرئيس الروسي بوتين.

ولكن تركيا التي تراقب انقلاب حليفها الأمريكي جزئيا عليها بإمداده للقوى الكردية الانفصالية بالسلاح والدعم الأمني والسياسي تحاول الاقتراب أكثر من أدوات التأثير على القرار الأمريكي برفع مستوى العلاقات التركية الصهيونية إلى مستوى الشريك الإستراتيجي كما ذهب الى القول كثير من المحللين الاستراتيجيين الصهاينة.. ويبدو أن تخوفا حقيقيا يسكن قلوب القادة الأتراك من دور روسي محتمل بدعم الأكراد واللعب في الساحة التركية، الأمر الذي يدعو أردوغان الى تفتيت مواقف التصادم بينه والروس، الا ان هناك دائرة مخفية عن صناع القرار التركي وهي دور القيادة الصهيونية التاريخي مع الحركات الانفصالية الكردية بداية بالبرازاني، كما ان الملف الكردي الآن يشهد حيوية ونشاطا لافتين في الاقليم في مناوشة ايران وتركيا والضغط على العراق، وتظهر نشاطات دؤوبة لزعماء أكراد محليين وإقليميين للتوصل الى صياغات امنية اكثر عمقا بين المجموعات الكردية الانفصالية والكيان الصهيوني يمكن ملاحظتها في زيارات الزعماء الأكراد العراقيين إلى تل أبيب من حين إلى آخر.

هنا يصبح واضحا ان الأتراك يتحركون في ملعب مليء بالألغام ولا ضمانة لنجاحهم فيه إلا أن تكون النوايا الصهيونية صافية تجاههم وان تكون إسرائيل ترى فيهم ما يمكن اتكاء القرار الإسرائيلي عليه.. فأمريكا لها حساباتها الدولية والإقليمية التي هي اكبر بلا شك من حجم تعاونها الاستراتيجي مع الدولة التركية، الأمر الذي يقلل هامش السماح للتحرك التركي في الإقليم..

ذهب الأتراك إلى إنهاء المشكلة مع الكيان الصهيوني لأنهم يشعرون بأنه لم يعد مزيدٌ من الاستفادة من موقف التشدد بخصوص حصار غزة او القضية الفلسطينية في ظل ازدياد التحديات الأمنية الداخلية وانفجار العداوات الإقليمية؛ فتركيا بعلاقة سيئة مع مصر وبعلاقة مترددة مع السعودية وبعلاقة باردة متوجسة مع إيران وبعلاقة مشحونة مع الروس وبعلاقة دامية مع سورية، ودوليا هناك حملات أوربية وألمانية بالذات ضدها لجهة ضرورة اعترافها بمجازر الأرمن كما ان هناك موقفا أمريكيا مشوبا بالخطورة ضدها.

على صعيد الحسابات ذهب الأتراك لحل مشكلة آنية في المدى المنظور على حساب المعضلات العميقة، كما ان التناقض في السلوك التركي يزيد الأزمة التركية تعقيدا؛ فلئن جاءت خطوة الاعتذار التركي نحو موسكو في محلها ويمكن ان تخفف من الضغط على الأتراك ويمكن ان تضفي على الجو الأمني التركي بعضا من الراحة بأن تدعو روسيا للإحجام عن دعم الأكراد.. فإنه غير ممكن فهم حل الإشكالية بين الحكومة التركية والكيان الصهيوني والارتقاء بالتنسيق الأمني الى مستوى الشريك فيما تقوم الحكومة التركية بتسهيل تحركات المجموعات المسلحة في سوريا وتزويدها بمئات الصواريخ المتطورة المضادة للطائرات وبمئات الدبابات المتطورة جدا.

تركيا الآن تدفع فاتورة غالية للعب على الحبال الذي مارسته في ظل حكم أردوغان.. فلقد كان أمامها ولا يزال فرصة ان تكون حليفا للمنطقة ومحافظة على آمنها واستقرارها وان تكون جزءا ايجابيا في تنامي العلاقات بين أعضائها وذلك بقيامها بادوار تصالح بين مكونات المنطقة.. وذلك لأن أي خلل أمني في المنطقة سيرتد بلا شك على الجميع وستكون تركيا هدفا مباشرا، وهي تتأثر بالارتباك الامني كثيراً نتيجة اعتمادها الكبير على السياحة والتجارة السياحية التي كانت تدرّ عليها أموالا طائلة تشكل النسبة الكبيرة في ميزانية الدولة.. هل تستطيع تركيا تعديل الاتجاه ام ان الوقت قد فات؟ تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة