الرأي

تركيا والحدود المسموحة للإسلام السياسي

حبيب راشدين
  • 2572
  • 0

الانتخابات التشريعية التركية صنعت الحدث الدولي الأبرز هذا الأسبوع، ليس لأنها أحبطت طموحات الرئيس التركي أردوغان ـ وقد ذهب يبحث عن قرنين فرجع مصلوم الأذنين ـ وليس لأنها سمحت لأول مرة بحضور كردي مستقل داخل برلمان بلدٍ أنكر حقوق ربع سكانه من الأكراد، ولا حتى من جهة تداعيات الخسارة على مستقبل السياسات التركية في الإقليم، بل يكاد يشتمّ من التعليقات الغربية ودول الإقليم حالة من الشماتة، وفي الحد الأدنى تنفس بعضهم الصعداء، بعد أن حرم الناخب التركي حزب “العدالة والتنمية” من الأغلبية التي كان يراهن عليها أردوغان لتعديل الدستور، وتغيير نظام الحكم الموروث عن الحقبة الأتاتوركية.

ومع أن حزب العدالة احتفظ بالصدارة بأكثر من 41٪ من الأصوات، واحتفظ معها بفرصة قيادة حكومة ائتلافية، فإنه خسر أكثر من التفرد المطلق بالبرلمان والحكومة والرئاسة، الذي زرع في نفس أردوغان أحلام إعادة بناء المجد العثماني، واندفاعه بكثير من الغرور للتوسّع على حساب جيرانه العرب، ونصّب نفسه كمقاول من الباطن لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير عبر تيار الإخوان المسلمين، على خلفية حراك الربيع العربي.

الخسارة قد تبدو قاسية على أردوغان، لكنها لم تكن كارثية بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، خاصة مع مراوحة الحزبين المعارضين: حزب الشعب الجمهوري، وحزب العمل القومي، الفاقدين لأي برنامج حكم يغري الوافد الكردي الجديد على بناء أغلبية تقصيالعدالة والتنمية“.

الخسارة هي على مستوى آخر، من جهة تداعياتها على ما يسمى بالإسلام السياسي، الذي كانت مكوّناته في العالم العربي تراهن على نجاح التجربة التركية كبرهان على قيام فرص التمكين لحكم اسلامي عبر المسارات الديموقراطية، فيما لم ينجح حزبالعدالة والتنميةخلال 12 سنة في تغيير منظومة الحكم الأتاتوريكية العلمانية، أو في مراجعة التشريعات المخالِفة للشريعة الإسلامية، أو تحرير تركيا المسلمة من العضوية الآثمة داخل حلف النيتو، أو في فكّ الارتباط مع الكيان الصهيوني، وكان أردوغان أحرص الناس على ضم تركيا إلى النادي المسيحي الأوروبي لو رضيت به اليهود والنصارى.

ما لا شك فيه أن حزبالعدالة والتنميةقد قدّم الدليل على قدرة أحزاب إسلامية على خدمة المنظومة الغربية الليبرالية أفضل من بقية الأحزاب القومية أو العلمانية، وربّما سُمح بذلك الهامش لحزب إسلامي من باب الاختبار، قبل توسيع التجربة في العالم العربي كما كان سيحصل لو نجح حراكُ الربيع العربي.

يقيناً، لم تكن التجربة التركية هي الأولى التي سُمح فيها لقوى سياسية ترفع شعار الحكم الإسلامي بالدخول في اختبار إدارة الشأن العام تحت أعين أرباب المنظومة الغربية المهيمنة، وقد لا تكون الأخيرة، لكنها حتما هي الأكثر وضوحاً لما هو مسموح به لمكونات الإسلام السياسي المنخرطة في اللعبة الديموقراطية الغربية، وربما يكون ما وصل إليه حزبالعدالة والتنمية، قبل أن تشهر في وجهه البطاقة الصفراء، هو أقصى ما هو مسموحٌ به للإسلام السياسي داخل منظومة عالمية مستبدة، لا تخفي عداءها الموضوعي للإسلام كمصدر مهدِّد لوجودها وهيمنتها أكثر من أي نقيض آخر في مشارق الأرض ومغاربها.

مقالات ذات صلة