الرأي

تسويق “الرهج”!

جمال لعلامي
  • 3317
  • 0

من أطرف ما قرأت خلال هذه الأيام العجاف بالتقشف و”الهفّ” وضرب الزوالية بالكفّ، أن فلاحين متهمون من طرف مستهلكين برشّ خضر وفواكه بسمّ الفئران، والهدف طبعا ليس لتسميم وقتل الناس، ولكن لإبادة الفئران و”الطبّات” ومختلف أنواع الجرذان التي التهمت الغلة قبل جمعها وتحويلها إلى الأسواق لبيعها بالثمن الفلاني!

الحقيقة أن هذه الواقعة، لا تخصّ هذا النوع من الفلاحين المساكين فقط، وإنّما تعني كذلك سياسيين ووزراء وأميار ونواب وقادة أحزاب، يدسّون السمّ في العسل، وغايتهم في ذلك ليس تسميم المقرّبين والمناضلين وبقايا الناخبين، وإنّما تسميم الخصوم والمنافسين ومحاربيهم بالوشاية الكاذبة والصادقة!

لا فرق بين هذا الفلاح الذي يرش الجزر أو البطاطا بسمّ الفئران، والوزير الذي “يرهج” المواطنين بـ”الهدرة الفارغة”، أو السياسي الذي يسمّم الأبدان بأقوال يكفر بها كأفعال، أو منتخب، ميرا كان أم نائبا، يشرع في “رهج” مواطني دشرته من بداية العهدة إلى نهايتها!

المصيبة أن هذا النوع من البشر سمّموا “الأغلبية المسحوقة” بكلامهم “السامج” الذي لا يختلف عن سمّ الفئران الذي استعمله الفلاح المرعوب لحماية خضرواته وفواكهه من “الفار المكار النكار” الذي دخل الحقل والدار ولم يخرج إلاّ بعد التخريب والتكسار!

السموم متنوعة ومختلفة، ومنها المحلي الذي يُمكن تصديره، ومنها المستورد بالعملة الصعبة و”الدوفيز”، لكن في الأوّل والأخير، السمّ واحد، ومثلما يقتل الفأر والبقر، يقتل أيضا البشر!

أحيانا تسميم العقول والأفكار، أخطر من سمّ الفئران، ونحن جميعا في حاجة إلى لقاحات ومضادات لمثل تلك السموم، التي يدسّها هؤلاء وأولئك، ويُتاجرون فيها، ويسوّقونها في سوق الدلالة!

كان بإمكان الفلاحين المفزوعين، أن يستعينوا بالقطط مثلا أو حتى الفخاخ لاصطياد الفئران والقوارض، بدل اصطياد المستهلكين الأبرياء بالسمّ، وحتى وإن كانت العملية غير مقصودة وبنية، فإن الضحايا من المستهلكين قد يُكيّفونها على أساس أنها “الشروع في القتل”، وعندها كلام آخر وعقاب آخر، ولن ينجو لا الفلاح ولا “تارك الصلاة”!

الذي يستعمل السمّ لإيذاء الآخر، ولو بطريقة غير مباشرة، هو مهدد كذلك بأن يكون ضحية لهذا السمّ ولو بالخطأ أو بأن ينقلب السمّ على السّام والمسموم، مثلما ينقلب السحر على الساحر والمسحور! 

مقالات ذات صلة