تسوّل متحضر
خلق الله – عز وجل – الإنسان وكرمه، فقال “ولقد كرمنا بني آدم”، ولكن بعض هؤلاء من يوسوس لهم قرناؤهم من الجن والإنس أن يعتدوا على أناس مثلهم فيسلبونه كرامتهم، ويهينون آدميتهم..
لقد ابتلانا الله – عز وجل – نحن المسلمين بحكام هم المثل الأسفل في السوء، إلا النادر منهم، والنادر “يحفظ ولا يقاس عليه”.
وقد ابتلى الله – سبحانه وتعالى – إخوتنا في سوريا بحكم أطغى من طاغية، وأفسد من كل فاسد، وماظنك بـ “نظام” على رأسه “أسد”.
إن فرعون كان أرحم من هذا الحاكم، الذي يمكن وصفه بـ “طبيب العيون الأعمى”، ففرعون كان نظامه ملكيا، فكان “ربّا أعلى”، لا يسأل عما يفعل، وكان لا يقتل أبناء شعبه إلا أولئك السحرة الذين تبين لهم الرشد من الغي فكفروا به، فصلّبهم في جذوع النخل؛ بل كان يقتل أبناء عدوه، وكان لا يقتل منهم إلا الذكران، ويستحيي نساءهم.. أما هذا “الأسد” فيقتل شعبه من غير تفريق، وهذه النقطة الوحيدة التي يعدل فيها، فلا فرق بين ذكر وأنثى، وبين كبير وصغير، وبين عالم وجاهل، وبين غني فقير.. وحتى بعض الذين رضي عنهم فرضوا عنه أحيانا يُبدئ في أمرهم ويسخط عليهم..
لقد شرد ذلك “الأسد” كثيرا من إخوتنا السوريين رجالا ونساء في أقطار الأرض جميعا، وهم في عذاب يعجز فطاحل اللغة في المجمع اللغوي السوري عن وصفه ولو اجتمعوا له ابتداء من الشيخ طاهر الجزائري وتلميذه محمد كرد علي إلى المعاصرين..
لقد وصل إلينا في الجزائر فئة منهم، ندعو إخواننا الجزائريين أن يساعدوهم ويخففوا عنهم، وأن لا يضيقوا بهم، فخير سوريا والسوريين أسبق، فقد آووا رمز جهادنا في الأولين الأمير عبد القادر، وآووا ونصروا مناضلينا في الآخرين من غير أن يمنوا أو يستكثروا٠ ومن أصالة أرومة هؤلاء الإخوة أنهم لا يمدون أيديهم، فقد قبضوا قبضة من كرامة آبائهم وأجدادهم، وقدموا مثلا رائعا في الإباء، حيث يعرض أكثرهم مناديل ورقبة أو كتيبات للبيع.. ويرون ذلك أحفظ لكرامتهم وإنسانيتهم.. وإنه “لتسول متحضر”.
خفف الله عنكم أيها الإخوة، وأخرجكم مما أنتم فيه من همّ وغمّ، ويسّر لكم العودة إلى دياركم – ولو كانت أطلالا- وإلى وطنكم – ولو كان خرابا – وأنزل قارعة على رؤوس أولئك الفاسدين الطغاة… وأذاقهم أضعاف ما أذاقوه للناس أمواتا وأحياء.. وصدق القائل:
وما ابتليت يوما بشرّ قبيلة * أضرّ عليها من سفيه يسوسها