“تسيبراسات” للغرب و”كرزايات” للشرق
كما كان متوقعا منذ قرابة السنة أفضى الدور الأولى للرئاسيات الفرنسية إلى فوز مرشح الأوليغارشيىة المالية: ماكرون وصاحبة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة: ماري لوبين، في مشهد غير مسبوق في الحياة السياسية الفرنسية أقصي منه الحزبان التقليديان من السباق، وتُرك للناخبين الخيار بين رجل وامرأة ليس لهما خبرة في الحكم ولا يملكان أي ممثل في البرلمان في عملية تزوير قبلي مركّبة لإرادة الناخبين بدأ اختبارها منذ رئاسيات 2002.
تقنية التزوير باتت معلومة: تبدأ بحملة تخويف هيستيرية من الأجانب ثم الآن من المسلمين مدعومة بعمليات إرهابية تحت راية كاذبة حتى يرتمي جزء من الناخبين في أحضان الجبهة الوطنية المتطرفة وضمان وجودها في الدور الثاني، لتنطلق بعدها حملة تخويف الناخبين من تداعيات تسليم الرئاسة لحزب “متطرف” مغامر. فلا غرابة أن يكون أول ما فعله مرشحا اليمين والاشتراكيين بعد إعلان النتائج دعوة الناخبين إلى التصويت لصالح مرشح الأوليغارشية: ماكرون وكأن النخبة السياسية التي تحكم فرنسا منذ بداية الجمهورية الخامسة قد استسلمت وهي صاغرة لفرمانات عصابة روتشيلد وإخوانه التي وزعت عليهم الأدوار بمن فيهم عائلة لوبين التي باتت تتقن دورها.
التزوير لم يكن داخل مكاتب الاقتراع كما يحصل في الدول المتخلفة، بل كان في عقول الناخبين عبر حملة انطلقت مع استقالة مرشح البنوك ماكرون من وزارة الاقتصاد وانطلاقه في حملة رئاسية مبكرة وقد صنعت له البنوك في بحر عام حركة داعمة تحت اسم “إلى الأمام” بلا هوية ولا برنامج حكم، تريد إدماج الفرنسيين في بوتقة بلا هوية إديولوجية تقليدية، وبلا رائحة أو لون، مستسلمة بالكامل للسياسات التي تصنع للأوروبيين في بروكسل على أيدي تكنوقراط موظفين عند حكام أوروبا الفعليين من أرباب المصارف.
فليس غريبا إذن أن يُنتخب بعد أسبوعين رئيسٌ ليس له أغلبية في البرلمان لأن البرلمانات القُطرية الأوروبية باتت محض ملاحق مقاولة من الباطن لنظام حكم أوروبي تشرَّع قوانينه داخل مؤسسة بروكسل، في مقدمة لما يريد أرباب العولمة تعميمه على بقية دول وشعوب العالم بإذابة الهويات الوطنية والدينية، وتسفيه النخب السياسية التقليدية، ونقل وظيفة صناعة وإدارة الرأي العام إلى مؤسسات إعلامية ساقطة بالكامل بأيدي عصابة البنوك المتحكمة في كل ما ينشر ويسمع أو يشاهد، تسمح لمن تشاء بالحضور والظهور وتمنع من تشاء بدم بارد.
انبطاح النخبة السياسية الفرنسية أمام هيمنة وتحكّم عصابة صغيرة من أرباب البنوك ـ مثل روتشيلد الذي تعهد ماكرون منذ البداية ـ قد يهون عند بعضنا الشعور بالخزي والعار من انبطاح حكام ونخب كثيرة من دول العالم الثالث أمام نفس العصابة، سواء عبر ممثليها في الآفامي والبنك العالمي، أم أمام وكلائها في الحكومات الغربية الممسوكة بقبضة من حديد، وقد رأيناها من قبل تقيل رئيس وزراء إيطاليا المنتخب، وتصنع لليونانيين وهما من أقصى اليسار اسمه “تسيبراس” كما صنعت لنا “كرزايات” في أفغانستان والعراق، وغدا في ليبيا وسورية، تتداول علينا بحملات التخويف بكل ما له صلة بالهوية الوطنية أو الثقافية أو الدينية، لأن فرصة حكم الأقلية من قراصنة البنوك لأغلبية الشعوب تحتاج إلى تصفية مكونات الهوية ومؤسساتها التقليدية وتركيع النخب بالجزرة والعصا.