تسيير مدينة الجزائر العاصمة “يُربك” الحكومة
شكل اجتماع الوزير الأول عبد الملك سلال بسلطات ومنتخبي ولاية الجزائر العاصمة بحضور 15 وزيرا ومسؤولي مختلف الأجهزة الأمنية، الخميس، الحدث الأكثر أهمية محليا، بالنظر لموضوع اللقاء الذي تناول الوضعية الحضرية لمدينة الجزائر، وما آلت إليه من فوضى وتآكل في محيطها العمراني، جعل من مدينة الجزائر صاحبة لقب أسوإ عاصمة في العالم.
لم يفلح أي من الولاة والإدارات المتعاقبة على ولاية الجزائر في تنظيم محيطها وتهذيب نمطها المعيشي والرقي بها لمستوى عواصم الدول المحترمة، وباتت المشكلة بتعقيداتها مطروحة على مستوى الحكومة، بعد الفشل الذريع الذي آلت إليه إدارة محافظة الجزائر الكبرى بوزيرها فوق العادة الشريف رحماني، ووزارة المدينة التي حاولت استرجاع شيء من جمالية المدن الجزائرية، لترحّل الوزارة بأكملها، وتترك العاصمة بقايا استعمار تغرق في فوضى الاستقلال.
فبعد خمس سنوات من إنشاء محافظة الجزائر الكبرى في 02 أوت 1997 لتحل محل ولاية الجزائر، برئاسة الشريف رحماني، الذي كان محافظا ووزيرا فوق العادة، يحضر اجتماعات الحكومة ومجلس الوزراء، قصد تقريب العاصمة من القرار المركزي، عادت الولاية إلى سابق حالها كباقي الولايات يسيّرها وال كغيره من الولاة، ولم يبقى راسخا في الأذهان من منجزات الشريف رحماني سوى ما عرف بـ”ألفية الجزائر بني مزغنة”، المهرجان الفولكلوري الذي استدعيت له في جانفي من سنة 2000، وفود من أربعين دولة في العالم، وصرفت فيه من الأموال ما اعتبر وقت ذاك تبذيرا بشعا للمال العام، وذهبت محافظة الجزائر الكبرى وذهب معها رحماني الذي رُقّي إلى وزير بكامل الصلاحيات رغم الانتقادات التي وجهها له الرئيس بوتفليقة على المباشر في إحدى القنوات الإعلامية، وقرر في أول مارس 2000 حل المحافظة الكبرى للجزائر العاصمة “بسبب مخالفتها لأحكام الدستور الجزائري” لتعود إلى صفتها السابقة “ولاية الجزائر” مع احتفاظها بالحدود التي ورثتها عن التنظيم السابق.
وفي سنة 2005 أطلقت ولاية الجزائر العاصمة مشروعا ضخما سمي “مشروع تهيئة الواجهة البحرية لمدينة الجزائر العاصمة” بتكلفة مالية أولية قدرها 202 مليار دينار، وأشغال هذا المشروع الممتد لأفاق 2029 تجري بنسب إنجاز متفاوتة، خرج الوزير الأول عبد المالك سلال بتصريحه لدى إشرافه على أشغال الاجتماع الحكومي المنعقد الخميس الفارط بمقر ولاية الجزائر العاصمة، قائلا للوالي وللسلطات المحلية “إذا كان من الضروري تغيير التنظيم الإداري وخلق مصالح أخرى بالنسبة لتسيير الجزائر العاصمة فليكن ذلك”، ويؤكد هذا التصريح بأن المشكلة ليست في الأموال ولا في الميزانية ولكن في التسيير، وفي إيجاد آليات تسيير ناجعة، لكن سلال لم يحسم الموضوع بأي من القرارات رغم علمه واطلاع الحكومة والمصالح الإدارية والأمنية المختلفة، على هول الفوضى، وانعدام كل مواصفات المدينة وتنظيم العواصم، بدءا من حركة المرور إلى توفر المرافق التحتية كحظائر توقف السيارات والفنادق، وأماكن التنزه، وصولا إلى النظافة، وانعدام الأمن، وتحولها ليلا إلى قرية كبيرة تنام مبكرا.
ويحيل الواقع الذي تعيشه مدينة الجزائر العاصمة، منذ عشرات السنين، إلى عواصم عربية وإسلامية كانت بالأمس القريب لا تحمل من لقب العاصمة إلا الاسم، مثل العاصمة التركية أسطنبول التي حوّلتها إدارة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، لما كان رئيسا لبلدية إسطنبول، إلى عاصمة نظيفة تحولت شيئا فشيئا إلى عاصمة اقتصادية وسياحية لتركيا تدر على البلاد ملايير الدولارات سنويا، وهو ما فشل فيها كل الولاة الذين مروا على العاصمة بمن فيهم المسؤولون فوق العادة على المدينة؛ من شريف رحماني بصفته محافظا لمحافظة الجزائر الكبرى ثم وزير المدينة عبد الرشيد بوكرزازة واليوم الوالي زوخ ومن قبلهُم، كل هذا رغم توفر الغطاء المالي الكافي، وهو ما يعني أن المشكل في التسيير وفي الرجال وليس في المال، فهل ستكون هذه آخر مرة نتحدث فيها عن تغيير وجه العاصمة إلى عاصمة حقيقية فيها كل الخدمات أم أن الأمر مجرّد اجتماع رسمي لـ”الفضفضة” وتبادل “الأماني والأحلام” بين الوزير الأول و15 وزيرا ومسؤولين كبار، فيما يبقى المواطن العاصمي والجزائري عموما يعانون من مشاكل النقل والأوساخ وقلة الخدمات في عاصمة البلاد، وهي مشاكل بدائية في زمان يتحدّث العالم عن المدن الذكية..