الرأي

تصريحات المجاهد الجنرال حسين بن معلم في الميزان

الشروق أونلاين
  • 7405
  • 1

تبعا لما جاء في الحوار الذي نشرته جريدة الشروق اليومي يوم السبت 25/07/2015 عدد 4807 الصفحة العاشرة، ولأهمية هذه الحوارات، خاصة وأنـها تمثل شهادات من عايشوا الثورة وأحداثها، وحقيقة أنها قد ساهمت بشكل ملفت في إثراء كتابة تاريخ الثورة المجيدة، وإن كانت هذه التصريحات والحوارات وكذا السير الذاتية أو ما اصطلح على تسميتها بالمذكرات قد برزت متأخرة لظروف ما، كما أنها شغلت الباحثين في محاولة إبراز الكثير من الحقائق التي كانت غائبة أو مغيبة، إلا أن هذه الشهادات والمذكرات والتصريحات تبقى دائما خاضعـة للتمحيص والتدقيق من طرف الباحثين والمؤرخين والقراء، وبقدر ما تبدو هذه الشهادات والمذكرات بأنها تبرز حقائق هامة ومثيرة وتهدف إلى تصحيح الذاكرة الوطنية وتخليصها من كل الشوائب الفكرية التي تكون قد علقت بها لظروف معينة، وذلك لضمان إيصالها إلى الأجيال في أنصع صورها، غير أن الواقع أثبت وبكل أسف أن بعض الشهادات والتي تبدو في ظاهرها إبراز حقائق تاريخية يغلب عليها طابع النزعة الذاتية والأنا أو نزعة الدوار لتحقيق مآرب وأهداف مبعثها الاستجابة – بقصد أو بدون قصد، لتوجهات فكرية قديمة منطلقها، الأوراس لم يكن هو الثورة، وذلك ما يستشف من بعض الكتابات والحوارات، بتقديس وتعظيم بعض قادة الثورة وتقزيم البعض الآخر والانتقاص من قيمتهم، وكذا تضخيم دور منطقة أو ولاية تاريخية عن أخرى من جهات الوطن.

ومن هذه الشهادات حوار المجاهد العميد حسين بن معلم محور حديثنا هذا الذي ما يفتأ في كل مرة في حواراته مع وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية يتدرج في أحكامه حول الثورة والثوار، وكأنه عاش في كل المناطق واطلع على خباياها وأسرارها.

فالمجاهد سي بن معلم من خلال شهاداته كان ضمن الوفد المرافق للعقيد اعميروش الذي قدم إلى منطقة الأوراس في مهمة تبليغ القرارات الصادرة عن مؤتمر الصومام والاطلاع على الأوضاع السائدة في المنطقة لتبليغها إلى قيادة المؤتمر.

لكن المجاهد الجنرال بن معلم لم يذكر الدور الذي قام به خلال المهمة وصفته في الوفد حتى يبدي رأيه ويصدر أحكامه وتقييمه لوضع منطقة الأوراس الشاسعة، وكذا مكانـة كل كوادرها ورجالها   ومواقفهم.

هل يمكن أن تصدر الأحكام من أشخاص لم يعرفوا تلك المنطقة الشاسعة المترامية الأطراف بجغرافيتها وتركيباتها الاجتماعية؟، ولا حتى معرفة صعوبة مراس رجالها الذين لم تروّضهم سنوات الاحتلال القاسية، وكم هي الثورات في الأوراس المتعاقبة والتي قهرت جنرالات فرنسا؟ منذ (الدوق دومال) ومعركة مشونش في 15 / 03 / 1844 إلى الذين كانت تسميهم فرنسا بالخارجين عن القانون وهم الذين كانوا وقودا للثورة عند بدايتها، أمثال: قرين بلقاسم، حسين برحايل، حسوني رمضان، الصادق شبشوب المدعو قوزير، أحمد قاده، أطال الله عمره، أوصيفي المدعو لخضر بلمسعود أطال الله عمره وغيرهم كثر.

فهذا الرصيد التاريخي والدور المحوري لأبناء الأوراس في تفجير الثورة والوفاء بالوعد الذي قطعوه على أنفسهم من خلال موقف ملهم مسيرتهم النضالية والأب الروحي للثورة الجزائرية الشهيد مصطفى بن بولعيد وهو يحاول إقناع مجموعة 22 التاريخية بالتعجيل بتفجير الثورة. عندما قال لهم إن منطقة الأوراس برجالاتها كفيلة لضمان استمرار اشتعال الثورة لمدة لا تقل عن ستة أشهر حتى تتهيأ الظروف لتعم الثورة باقي ربوع الوطن.

لا يمكن لأي من كان وبأي حال من الأحوال سواء المجاهد العميد بن معلم أو غيره في أنه سيفلح في الإساءة إلى تاريخ منطقة الأوراس والانتقاص من فضل قادتها جميعهم تحت قيادة الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد ونوابه شيحاني بشير، عاجل عجول، عباس لغرور وغيرهم كثر، والذين مكنوا المناطق الأخرى من الالتحاق بركب الثورة وتزوديهم بالمال والسلاح، فبفضل هؤلاء القادة الذين صمدوا لمدة سنة كاملة أو يزيد أمام جحافل الاستعمار وصمدوا أمام كل الأساليب والوسائل التي استخدمتها جنرالات فرنسا من أجل القضاء على الثورة في مهدها.

إن المجاهد بن معلم فبالرغم من المدة الزمنية القصيرة منذ التحاقه بالثورة داخل الوطن وكذا عمره آنذاك إلى غاية التحاقه بالخارج لاستكمال دراسته الثانوية، كما وأن مكوثه أياما معدودات في منطقة الأوراس رفقة القائد عميروش، إلا أنه يفاجأنا في كل مرة بإصداره أحكاما في حق الرجال الذين اختارهم الشهيد بن بولعيد في قيادة أركانه، فهل مصطفى بن بولعيد لم يكن يعـرف قيمة وحقيقة مساعديه؟ وهو الذي عايشهم وناضل معهم سنين طويلة في الحركة الوطنية والمنظمة الخاصة والتحضير لتفجير الثورة.

 بعد ثلاث وخمسين سنة من الاستقلال هاهي تصريحات المجاهد العميد سي بن معلم والتي هي في اعتقادنا لا تخدم مسيرة الأمة لا من قريب ولامن بعيد، لأن عملية التخوين والتواطؤ مع الاستعمار وأشياء من هذا القبيل، لم تصدر من قادة لهم شأن في الثورة ويعرفون المنطقة حق المعرفة وحقيقة رجالها وماقدموه للثورة والوطن.

من هؤلاء القادة: الزعيم أحمد بن بلة، كريم بلقاسم، العقيد محمدي السعيد، العقيـد علي كافي، العقيـد الحاج لخضر، العقيـد الطاهر زبيـري أطال الله عمره، على محسـاس، لخضر بن طوبـال، عبد الحفيظ بوصوف، العقيد أو عمران، عمار بن عودة أطال الله عمره، العقيد هواري بومدين قائد أركان جيش التحرير الوطني، وما أدراك بهم جميعا والقائمة طويلة.

كل هؤلاء لم يخونوا أيا كان مهما كانت الظروف إلا أن هذه التصريحات تذكر بمآسي مسلسل الاغتيالات التي طالت رجال وقادة ساهموا في صناعة تاريخ الثورة باقتدار أمثال: عباس لغرور، عبد الحفيظ سوفي، لزهر شريط، محمد لعموري، أحمد نوارة، العيد بالطيبي المدعو البوحديجي، حوحه بلعيد، عبد الحي، وآخرون رحمهم الله.

ومن الأهمية بمكان أن نذكر بأن الواجب يفرض على الجميع الإسهام في كتابة تاريخ الثورة التحريرية المجيدة كل من موقعه وما له من حس وطني وتاريخي وما تجود به عليه ذاكرته من حقائق أكيدة ومؤكدة، حتى نحقق الأهداف الثقافية والتاريخية المرجوة من اسهامات الأفراد في تحقيق ما تصبوا إليه الأجيال، بعيدا عن الأحكام الجزافية والذاتية وقديمـا قيل “من غربل الناس نخلوه”.


 

*أستاذ متقاعد بسكرة

مقالات ذات صلة