الرأي

تعديل دستوري محدود يحبط مسار إصلاح الدولة

حبيب راشدين
  • 2209
  • 0

الحوار الذي امتنع من قبل حول التعديل الدستوري، يكون قد أغلق بابه بعد الإعلان الرسمي عن مسودة جاءت بسقف منخفض، دون التوقعات والتطلعات، تفتقر للنفس الإصلاحي، وتسوق لنظام رئاسي غير معلن، لم يبق لبقية مؤسسات الحكم من سلطات قد يغري على التنافس عليها حتى لو أمنت مساراته من العبث والتزوير.

فقبل أن يطلعنا مدير الديوان الرئاسي السيد أويحيى عن العناوين الرئيسة لمسودة التعديل الدستوري، كنت قد استبقت الحدث في مقال صدر يوم السبت الماضي، استشرفت فيه السقف المنخفض بالضرورة لتعديل دستوري يمرر عبر البرلمان، ووصفته دون تردد بعملية “تدوير للدستور” قد تصلح فقط لمواصلة تدوير نظام الحكم، تفتقر لعامل التشويق والإثارة، وقد أقصت المواطن سلفا من حق المشاركة في بناء عقده الاجتماعي.

الآن وقد أفصح عن مضمون التعديل، بجملة من الترميمات الثانوية، مع تغيير خفي في هوية نظام الحكم كان يستلزم المرور به عبر الإستقتاء، خاصة وأنه أمعن في تغيير ميزان توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الحكم، كما من جهة تثبيت حالة مستدامة من الضبابية والغموض تمنع الفصل الفعلي عند الممارسة بين السلطات، وتضيف مزيدا من الضعف للمؤسسة البرلمانية، الخاسر الأكبر في التعديل الجديد.

تنكر رسمي لمسار الإصلاح

فالتعديل كما ورد في المسودة، لا يعدو بعد ذلك أن يكون عملية ترميم وترقيع، قد أملتها حاجة النظام إلى دسترة متنكرة لنظام هو أقرب إلى النظام الرئاسي منه للنظام شبه الرئاسي المعتمد في دستور 89، مع جهاز تنفيذي رأسه الفعلي لن يكون خاضعا للرقابة والمساءلة البرلمانية، يلعب فيه الوزير الأول دور حاجب الملك، ليس له من سلطان سوى ما يمن به عليه الملك أو يقبض.

ومع أن السيد أويحيى كان بارعا كالعادة في التسويق لمرق ليس فيه دسم، فإن ما يعرض اليوم على البرلمان لم يكن ليشغل البلد لأكثر من أربع سنوات، أو يحتاج إلى توسيع الاستشارة، وقد أغلقت أبوب التغيير ومسار إصلاح الدولة بتفضيل إعادة تدوير جمل فاسدة معطلة من الدستور القائم، ليس فقط بتكريس حرمان البرلمان من حق تشكيل حكومة من الأغلبية، قد تتوافق أو تتعايش مع الرئيس، بل أيضا بإغلاق لعبة التداول على السلطة حتى لو سلمت المسارات الانتخابية من العبث والتزوير.

قد لا يحسن بنا التوقف كثيرا عند الصلاحيات الواسعة التي كرسها التعديل لصالح مؤسسة الرئاسة حتى بعد العودة إلى نظام العهدتين، بقدر الحاجة إلى التوقف مطولا عند الصلاحيات المحدودة التي تركت للبرلمان، لا من جهة وظيفة التشريع المحكومة بهيمنة التنفيذي من أكثر من وجه، ولا من جهة الرقابة والمساءلة الممنوعة لرأس الجهاز التنفيذي في شخص الرئيس.

تكريس دستوري لإرادة تهميش البرلمان

فالبرلمان بغرفتيه قد خسر ـ قياسا مع أحكام دستور 89 ـ سلطة تعيين رئيس الحكومة من الأغلبية، وليس إشراكه، عبر استشارة غير ملزمة في تعيين الوزير الأول، كفيل بالتعويض عن فقدان سلطة انتاج الحكومة، التي هي من صميم وطبيعة النظامين البرلماني وشبه الرئاسي، ولا نرى كيف يكون بوسع البرلمان في هذه الصيغة الاضطلاع بسلطة الرقابة على حكومة تدين بوجودها للرئيس بلا شريك.

استئثار الرئيس بسلطة توزيع ريع المناصب في الجهاز التنفيذي، كما في مختلف مؤسسات الحكم ذات الشأن، سوف يشكل على الدوام أداة إغراء بلا حدود، لا يحتاج معها إلى جهد كبير لتوفير سند برلماني للحكومة، بل ويعفيه من الحاجة إلى بناء تحالف رئاسي كما حصل في السابق، وهو مع ضعف المعارضة المستدام، وانضباط أحزاب الموالاة خلف السلطة ظالمة أو مظلومة، وما حصل في السنتين الأخيرتين من توحيد لرأس الدولة العميقة، لن يعدم أغلبية ثابتة مهيمنة، تسند الجهاز التنفيذي في السراء والضراء.

ومع هذا التحصين لموقع الرئاسة وللسلطة التنفيذية، فقد كان بوسع النظام أن يقبل بقدر من الجرأة والانفتاح على المعارضة، حيال مطلب دسترة الهيئة المستقلة لإدارة الاستحقاقات األانتخابية، والتي كانت ستغلق إلى الأبد باب الطعن الممل في المسارات بالتزوير، وتبعد الشبهات عن الإدارة، كما كان بوسعه أن يذهب بعيدا ودون خجل أو تردد في منح المؤسسة القضائية مزيدا من الاستقلالية، على الأقل من جهة تعيين المجلس الأعلى للقضاء كسلطة وحيدة مالكة لسلطة التعيين، والإقالة، والمحاسبة، والتأديب.

عقد اجتماعي برطانة عقد الإذعان

وفي الجملة، فإن التعديل لم يأت مع ذلك بمنكر في أبواب كثيرة طالها التعديل، وفيه بلا شك بعض الإضافات الإيجابية: مثل غلق باب المساومة مستقبلا على أكثر من عهدتين رئاسيتين، كما يحسب له اشراك البرلمان في الإخطار الدستوري، وليس فيه ما يعاب من جهة تكريس الحريات، وقد يحسب له بعضهم مشروع دسترة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ثانية، لكنها جميعها تبقى تعديلات ثانوية، جاءت على الهامش بسقف منخفض عادم للتفاؤل، محبط لمن كان يراهن عليه لأحداث النقلة النوعية في أدوات ومؤسسات الحكم، في بلد كان ومايزال يحتاج إلى مسار اصلاحي شامل وهو مقبل على سنوات صعبة، محاط بظروف دولية محفوفة بالمخاطر، تستوجب الإسراع في بناء جدار حماية وطني، كان يحتاج بالضرورة إلى توافق في صياغة العقد الاجتماعي، يضمن نقل الصراعات من الشارع إلى حضن المؤسسات الشرعية المنتخبة، بمنح هامش أوسع للمشاركة إن لم يكن في صناعة القرار، فعلى الأقل المشاركة في الرقابة والمحاسبة والإثراء، وهذا ما أخفق فيه التعديل الجديد.

موطن الإخفاق الثاني في التعديل، يتجلى في عجز مؤسسات الحكم كما هي في انتاج طبقة سياسية جديدة من جيل الشباب، تغريها على الانخراط في الحياة السياسية، والمساهمة في صناعة البدائل، وإثراء الحوار الوطني في الحد الأدنى، والتجنيد الطوعي عند الضرورة لحماية الأمن والاستقرار، ومواجهة الأجندات الخارجية المتربصة بالبلد.

فالمعارضة في العرف الديموقراطي هي جزء من الحكم، شريك في تقويم إدارة الشأن العام، لا يفترض أن تعامل كعدو أو خصم، مادامت تعمل تحت سقف الدستور وقوانين الجمهورية، وكلما وسع لها هامش المشاركة، واطمأنت على فرص الوصول إلى سدة الحكم بالطرق السلمية، كلما كسبها البلد كشريك يعول عليه عند الحاجة في ضمان الأمن والإستقرار والسلم الإجتماعي، ومعه ضمان ديمومة العقد الاجتماعي، الذي يسقط في اللحظة التي يشعر فيها المواطن أنه أمام “عقد إذعان” كما هو حال دستورنا في نسخة 89 ونسخة التعديل الجديد وما بينهما.

مقالات ذات صلة