“تعزية مناسباتية فرنسية” للجزائر في وفاة 32 مسافرا.. لماذا؟
يُثير خبر التعزية التي أرسلتها فرنسا على لسان الناطق باسم خارجيتها للجزائر، أكثر من سؤال ودهشة، ليس لأنها تعزية ولكن لطبيعة موضوعها، وهو احتراق 32 مسافرا داخل حافلة في حادث مرور بالأغواط، السبت الفارط، إذ لم يسبق وأن عزّت فرنسا الجزائريين في حوادث مرور.
جاءت التعزية في تصريح مكتوب للناطق باسم الوزارة الفرنسية للشؤون الخارجية والتنمية الدولية رومان نادال، استلمت وكالة الأنباء الجزائرية نسخة منه، وفيه ” لقد تلقينا ببالغ التأثر خبر وقوع حادث مرور يوم 4 جوان 2016 والذي خلف أكثر من 30 قتيلا قرب أفلو (400 كلم جنوب الجزائر العاصمة). تتقدم فرنسا بتعازيها لعائلات الضحايا وكذا للسلطات وللشعب الجزائري”.
تجد هذه التعزية تبريرا وحيدا – بغض النظر عن بعدها الإنساني- في العلاقات المتوتّرة بين البلدين منذ “حادثة الصورتين” (صورة الرئيس بوتفليقة في جريدة لوموند وصورته التي غرّد بها رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس)، حيث تسعى باريس للملمة علاقتها مع الجزائر خاصة في ظل سعي الجزائر لتعديد شركائها الاقتصاديين بعدما كانت علاقاتها الاقتصادية حكرا على فرنسا وحدها، لدرجة أن الشركات الفرنسية المفلسة كانت “تجد طريقها” لعقد صفقات مع شركات في الجزائر، تعود بها إلى الحياة.
محلّ التساؤل والدهشة من التعزية الفرنسية “الطارئة” أنه لم يسبق لفرنسا أن عزت الجزائر في حوادث مُجلجلة سابقة، فمثلا لم تعزّ في مقتل العسكريين الـ12 الذين قضوا إثر سقوط طائرتهم العمودية في رقّان في مارس الفارط ولا في مقتل الـ11 جنديا في عين الدفلى العام 2015 عشية عيد الفطر ولا في مقتل 11 جنديا آخرين في تيزي وزو العام 2014، كما لم ترسل تعازيها في حوادث مرور خلفت عشرات القتلى أيضا، منها حادث مرور بين آفلو والأغواط العام 2014 خلّف 17 قتيلا وبعده حادث آخر خلف مقتل 11 شخاصاً بين ولايتي تمنراست والمنيعة العام 2015.
تشعر فرنسا بالخوف على مصالحا الاقتصادية وعائداتها من الجزائر منذ أن لم تنل كثيرَ مال خلال زيارة وزيرها الأول في أفريل الفارط، كما أن المؤشرات الملموسة حول توجّه الجزائر إلى تنويع شركائها جعلت باريس تزداد خيفة، ولعل المنتدى الاقتصادي الذي جمع رجال الأعمال البريطانيين والجزائريين في العاصمة الجزائر كان أحد “نواقيس الخطر” التي دقّتها القيادة الفرنسية خوفا من ضياع ما تدرّه عليها المستعمرة القديمة (الجزائر) من أموال وصفقات سنويا، وهي التي كانت تسمى أيام الاستعمار “مطمورة أوروبا” لما فيها من خيرات كانت تكفي قارة أوروبا كاملة بل وتفيض.
خطر آخر بات يتهدّد العلاقات الاقتصادية مع فرنسا ويتعلّق الأمر بالعلاقات الاقتصادية الجزائرية الكورية الجنوبية، التي كللت بمصنع لإنتاج شاحنات وحافلات “هيونداي” في ولاية باتنة، والذي سيبدأ الإنتاج بعد شهور، وتبلغ قدرة إنتاجه بين 30 و55 شاحنة في اليوم بما يعادل 20 ألف شاحنة سنويا، على الأقل، والمصنع تموله الجزائر بنسبة 100 بالمائة فيما ويتكفل الشريك الأجنبي بنقل الخبرة والمعطيات التقنية للجزائريين.
كذلك توجّه الجزائر نحو الأسواق الإفريقية والإعلان عن منتدى اقتصادي جزائر إفريقي سيعقد قريبا، وهي سابقة في التوجهات الاقتصادية للبلد، الذي يمرّ بأزمة اقتصادية خانقة تسبب فيها انهيار أسعار النفط.
جدير بالذكر أن زيارات المسؤولين الفرنسيين إلى الجزائر تكثّفت منذ توتّر العلاقات، فجاء رئيس جمعية الجزائر فرنسا جون بيار شوفنمان ثم وزير التهيئة العمرانية والجماعات المحلية جون ميشال بايلي، فُهمت كلها بأنها زيارات لترقيع ما حل بنسيج العلاقات من تَلف.