الرأي

تعقيبا على تصريح لويزة حنون بخصوص عقوبة الإعدام

محمد بوالروايح
  • 463
  • 0

تحدّثت لويزة حنون في كل الشؤون السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والاجتماعية، وهذا حق مكفول لها ولغيرها، فليس هناك حجر على الآراء فيما يخدم الصالح العامّ، لكن الخوض في هذه الشؤون كلها يحتاج إلى معرفة عميقة وإحاطة دقيقة حتى لا يتحول الحديث إلى لا حدث ويفتح على صاحبه بابا للانتقادات، فهذه المعرفة والإحاطة ضرورية لكل متحدث وخاصة إذا كان زعيما سياسيا، يفترض فيه أن يكون له رؤية شاملة لمجمل القضايا التي من شأنها أن تساهم في تثمين الإيجابيات وتجنّب السلبيات ويساعد الدولة من خلال المقترحات البناءة على تنفيذ المخططات التنموية.

تحدثت لويزة حنون عن عقوبة الإعدام، وشاب حديثَها بعضُ المغالطات التي يجب التعقيب عليها حتى لا يتلقّفها غير الضالعين بالفقه الجنائي ويعدُّونها حقيقة مسلَّمة، وينضمّون إلى طابور المعارضين لكل ما يراه غيرهم و لا يتبعون إلا ما يملى عليهم من الجهات التي توحي إليهم زخرف القول غرورا، التي لا يعجبها العجب ولا صيام رجب وتستميت في المعارضة من غير بضاعة ولا علم ولا كتاب منير.

قالت لويزة حنون: “كفى توضيبا للمآسي الاجتماعية وكفى لعبا على العواطف لأغراض أيديولوجية. نحن نعتبر أن المجتمع والدولة الذين يردّون على الجريمة بالانتقام والجريمة هم في وضعية فشل، لأنه لو كان الحكم بالإعدام يوقف الجريمة لتوقّفت الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية”. من المغالطات التي تضمّنها كلام لويزة حنون قولها: “كفى توضيبا- وأعتقد أنها أرادت القول كفى توظيفا- للمآسي الاجتماعية وكفى لعبا على العواطف لأغراض أيديولوجية”. من المقصود بهذا الكلام؟ وهل هو كلام سياسية محنكة تمرست على العمل السياسي لعقود، وتعرف أكثر من غيرها أن السياسي أكثر تحوُّطا من غيره في إطلاق الأحكام وأكثر تمنُّعا بالأحرى عن إطلاق الأحكام المسبقة واتهام الآخرين بتوظيف المآسي الاجتماعية واللعب على العواطف لأغراض أيديولوجية.

كلام كهذا مرفوض بكل المقاييس ومن أي وعاء خرج وخاصة حينما يكون صاحبه بالمقام السياسي الذي يفرض عليه أعلى درجات التحوُّط وعدم التخبُّط وعدم قول أي كلام وإلا دخل في عموم من يلقي بالكلمة لا يلقي لها بالًا فتحدث بلبلة اجتماعية ويتلقفها الجاهلون فيصدِّقونها على علاتها ويتخذون منها مادة للتهريج على مواقع التواصل الاجتماعي.

لا أعتقد أن جزائريا كائنا ما كان موقعه يفكر في توظيف المآسي الاجتماعية واللعب على العواطف لأغراض أيديولوجية. إن مآسي إخواننا في الحرائق الأخيرة ليست مادة للتمظهر السياسي وليست موضوعا للتوظيف الأيديولوجي، فحسبهم ما أصابهم، وينبغي أن لا نضيف إلى مصائبهم مصائب أخرى يسبّبها الطموح السياسي الزائد عن اللزوم.

إن قول لويزة حنون: “نحن نعتبر أن المجتمع والدولة الذين يردون على الجريمة بالانتقام والجريمة هم في وضعية فشل” دليلٌ على قلة بضاعتها في الفقه الجنائي؛ فمتى كانت محاربة الجريمة وعقاب المجرمين شكلا من أشكال الانتقام؟ ومتى كان الحكم بالإعدام ردًّا على الجريمة بجريمة أخرى؟ ومتى كان الحرص على تنفيذ العقوبة عنوانا للفشل؟.

من البديهيات التي يجب أن تعلمها لويزة حنون حتى لا تكرر أخطاءها وهي تتحدث من غير بضاعة في مسألة هي من اختصاص الفقهاء والخبراء أن الإعدام ليس انتقاما بل هو بالمعنى الشرعي “قصاص” كما قال الله تعالى: “ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب لعلكم تتقون” (البقرة 179). ومن الدلالات الكبرى للقصاص التي غابت عن ذهن لويزة حنون: حفظ الحياة، وتحقيق العدل والردع والمنع. والإعدام بالمعنى القانوني عقابُ الجاني على جريمة لا سبيل لعقابها إلا الإعدام، فلا يستقيم عقل ولا منطق أن يُخلى سبيل الجاني في الجرائم الكبرى التي تمس بالأمن المجتمعي ولا عقوبة أدعى لردعه من عقوبة الإعدام التي تسلَّط عليه قصاصا لا انتقاما كما زعمت لويزة حنون التي يبدو أن ضعف بضاعتها في الفقه الجنائي هو الذي أوقعها في هذه المغالطات التي لو سألت عنها لما وقعت فيها فإنما شفاء العيّ السؤال.

إن الحكم بالإعدام في حالة إقراره وتوفر أركانه ليس انتقاما كما قالت لويزة حنون، بل هو حكمٌ قضائي تصدره هيئةٌ قضائية محلفة بعد تحقيق دقيق تثبت به الجريمة بأدلة قاطعة وهذا ما يحول دون وقوع الأخطاء القضائية التي أشارت إليها لويزة حنون وإن وقعت فهناك طرق قانونية لمعالجتها. لقد كان حريا بلويزة حنون أن تقتطع جزءا من وقتها لتطَّلع على ما كتبه الفقهاء الجنائيون عن عقوبة الإعدام وعن الاحترازات الواجب الأخذ بها قبل توقيعها. لا أتهم لويزة حنون بالأمية القانونية ولكن عدم إحاطتها بالمسائل الجنائية هو الذي أوقعها في هذه المغالطات فمن جهل شيئا عاداه ومن تكلم في غير فنِّه أتى بالعجائب. وكان حريا بلويزة حنون أن توسع دائرة الاستشارة القانونية التي تعصمها من الوقوع في هذه المغالطات وترشدها إلى حقيقة المسائل التي لا تعلمها فليس هناك من وُلد عالما وإنما العلم بالتعلم.

ومن المغالطات التي وقعت فيها لويزة حنون قولها: “لو كان الحكم بالإعدام يوقف الجريمة لتوقفت الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية”. وأنا أسأل لويزة حنون سؤالا آخر: ما هو البديل لعقوبة الإعدام إذا اتفقنا فرضا على أنها ليست مجدية في وقف الجريمة وقطع دابرها، هل نخلي سبيل المجرمين ونرأف بهم فيغري هذا غيرَهم فيسلكون طريقهم ونتسبَّب بالتالي في توسيع دائرة الجريمة؟ أم أن الطريقة المثلى هي قطع الجزء المريض للحفاظ على باقي الجسد، وحفظ المجتمع بإنزال العقوبة على من يستحقها بعد الإصرار عليها والعود فيها؟

إن المصر على الجريمة لا أمل في استقامته ولا أمل في حماية المجتمع من شروره إلا بتوقيع أقصى العقوبات عليه وهي الإعدام فبعض الشجر الذي نخره السوس لا ينفع معه الزبر بل البتر.

ساقت لويزة حنون حالة الولايات المتحدة الأمريكية واستشهدت بها دون غيرها في تأكيد رأيها بشأن حكم الإعدام، فاكتفت في ذلك بما نشرته “مجلة  القانون الجنائي وعلم الجريمة” في الولايات المتحدة الأمريكية التي أصدرت استطلاعا للرأي مفاده أن أغلبية كبار علماء الجريمة في أمريكا قد أجمعوا على أن عقوبة الإعدام لا تمثل عنصر ردع أفضل من السجن. ورغم أن لويزة لم تذكر ملابسات هذا الاستطلاع وغيره من الاستطلاعات التي أجريت في الولايات المتحدة حول عدم جدوى إيقاع عقوبة الإعدام في وقف الجريمة وحدود هذا الاستطلاع إلا أننا نوافقها فيما أشارت إليه تلميحا ولكننا نعيب عليها وهي السياسية المخضرمة عدم التوسع في البحث في هذا الموضوع، فكما أن هناك تقارير تفيد بعدم جدوى تطبيق حكم الإعدام في الولايات المتحدة الأمريكية، هناك تقارير أخرى تفيد بأن تطبيق عقوبة الإعدام قد أدى إلى تقلص الجريمة كما هو الشأن في ولاية تكساس بحسب ما نشره موقع “الجزيرة نت” الذي نشر بتاريخ 10/12/2009 مقالا بعنوان: “عقوبة الإعدام تقلل القتل بتكساس”. ومن أهم ما جاء في هذا المقال:”قال متخصصون في علم الجريمة إنّ تطبيق عقوبة الإعدام في ولاية تكساس الأمريكية أدى إلى انخفاض في جرائم القتل بالولاية، لكنهم عبروا في الوقت نفسه عن مخاوفهم من انتقال جرائم القتل إلى ولايات مجاورة”.

هناك تقارير أخرى تفيد بأن تطبيق عقوبة الإعدام قد أدى إلى تقلص الجريمة كما هو الشأن في ولاية تكساس بحسب ما نشره موقع “الجزيرة نت” الذي نشر بتاريخ 10/12/2009 مقالا بعنوان: “عقوبة الإعدام تقلل القتل بتكساس”. ومن أهم ما جاء في هذا المقال:”قال متخصصون في علم الجريمة إنّ تطبيق عقوبة الإعدام في ولاية تكساس الأمريكية أدى إلى انخفاض في جرائم القتل بالولاية، لكنهم عبروا في الوقت نفسه عن مخاوفهم من انتقال جرائم القتل إلى ولايات مجاورة”.

مقالات ذات صلة