الجزائر
مثلما وردت في مذكرات بن طوبال:

تفاصيل آخر اجتماع لمجلس الثورة وشروط بن خدة

زهية منصر
  • 4297
  • 1
أرشيف

يؤكد لخضر بن طوبال أنه وقبل اجتماع مجلس الثورة، كان الكل متفقا على ضرورة ذهاب عباس، لكن الإشكالية كانت في من يخلفه على رأس الحكومة المؤقتة، هل يوجد ثمة من يستطيع التسيير حقيقة؟ الوحيد الذي كان بإمكانه فعل هذا هو من يملك القوات العسكرية في يده، ومن يملك السلطة الأخلاقية على الجيش لتطبيق كل قراراته، مثل هذا الرجل لم يكن موجودا”، يؤكد بن طوبال أن “جماعة قيادة الأركان كانوا يريدون عباس بمظهر جديد، عباس الذي يملك السلطة الأخلاقية، لكنه في الحقيقة لا يملك أي سلطة حقيقة”. يكشف بن طوبال أنه وقبل انعقاد مجلس الثورة، نظم لقاء غير رسمي، وتمت دعوة بومدين وبوصوف لمناقشة الأوضاع. ويقول إنه اقترح عليهم تعيين كريم على رأس الحكومة المؤقتة، بحثا عن حلّ، لكن بومدين وبوصوف رفضا بشدة، وقال بومدين مخاطبا بن طوبال: “احذر أن تعيد مثل هذا الكلام في الخارج أو تخبر به كريم”، يقول بن طوبال: “رفضهما العنيف صدمني وكأني “ارتكبت كفرا”، من جهتي كنت مقتنعا بأن كريم كان شخصا آخر غير عباس، كان يملك المكانة والشخصية التي تجعل الجميع يمتثل لقراراته، حتى أنا كنت سأكون مجبرا على الخضوع لها. كنت أريد إعطاء رأس صلبة للبلاد قبل أن يضرب الجسم”.
يسترسل بن طوبال واصفا ما حدث في اجتماع مجلس الثورة: “ذهبنا إلى مجلس الثورة، ولم نكن متفقين على إيجاد حلّ، حاملين أزمة بدأت تظهر في الأفق، بومدين كان قد نقل حديثي معه لقايد أحمد ومنجلي اللذين جاءا لرؤيتي: “السي عبد الله، كيف يمكنك تقديم مثل هذا الاقتراح؟ هل تعرف أن هذا الرجل جهوي ولديه أفكار ضيقة”؟ وأضاف بن طوبال: “أعرف كل هذا، ولا يوجد مشكل في أن يختار أناسا من جهته لخدمة بلده إذا اقتضت الضرورة ذلك”.
في هذا الجزء، يفصل بن طوبال في الأسباب التي أدت إلى تعميق الأزمة بين قيادة الأركان والحكومة المؤقتة، فيقول: “قرّر مجلس الثورة خروج الحكومة المؤقتة من تونس وتقريبها من الحدود، وكان حينها منجلي مدعوما بأعضاء قيادة الأركان العامة، قد اقترح إنشاء لجنة لإعداد مشروع مجموعة هياكل مهمتها تسيير الثورة، كان هذا الاقتراح حسب بن طوبال يرمي إلى خلق تنظيم جديد مستقل عن الحكومة المؤقتة مكلف بتسيير الحرب. وتكوّنت اللجنة من علي منجلي وسعد دحلب وفوضيل بن سلامة وبن طوبال”. اجتمعت اللجنة، وبعد نقاش طويل، يقول صاحب المذكرات: “افترقنا ولم نتمكن من الاتفاق، وقدمنا تقريرين مختلفين لمجلس الثورة، واحد قدمه بن طوبال حول عضوية دحلب وبن سلامة، والثاني قدمه منجلي يعرض من خلاله وجهة نظره. وأثناء النقاش، داخل المجلس استقال ممثلو قيادة الأركان، ومن هنا بدأت الأزمة وانفجرت بين الحكومة المؤقتة وبين قيادة الأركان”.

تعيين بن خدة على رأس الحكومة المؤقتة
بعد انسحاب ممثلي هيئة الأركان، تم تعيين بن خدة بعد نقاش وتصويت، لكن بن خدة وضع شروطا مسبقة قبل موافقته على تولي المنصب، حيث قال إنه سيكون رئيسا فعليا، وليس فرحات عباس، كما اشترط انسحاب بن طوبال من الحكومة، يقول هذا الأخير: “قبلت من أجل ضمان استمرار الثورة، لأنه في حال رفضي لم يكن هناك من يقبل بالمهمة في الوقت الصعب، واكتفيت بأن أكون في الحكومة من دون حقيبة. وهذا بعد إصرار كريم وبوصوف على وجودي مقابل القبول ببن خدة، لكن في الحقيقة، بوصوف وكريم كانا يحتاجان إلي، فقد تعوّدا على الاستعانة بي في مختلف الصراعات التي اندلعت مثل قضية لعموري وزوبير وغيرها.. وكنت أعرف أيضا أن بن خدة كان يمثل جماعة تحضر لما بعد الثورة، وتريد التخلص من بن طوبال، الذي كان بإمكانه معارضة قراراتهم”.
بعد تعيينه على رأس الحكومة المؤقتة مكان فرحات عباس، ذهب بن خدة للقاء قيادة الأركان، واستقبل من دون تشريفات رسمية، مثلما جرت العادة. ذهب لطلب العون من قيادة الأركان في صراعه مع بن طوبال وكريم وبوصوف، حيث يذكر صاحب المذكرات أن بن خدة “عرض على قيادة الأركان التخلص من الأسود الثلاثة وأضمن لكم الاتجاه الفعّال”.
يذكر بن طوبال أن “منجلي أخبر بن خدة بأن الخلاف ليس حول الأشخاص، لكن كان حول المبدإ، لأنه لو كان حول الأشخاص لما كنت أصلا أنت عيّنت”.
تطرّق لخضر بن طوبال أيضا في كتابه إلى تفاصيل لقائه مع وفد الخارج، الذي ضم كلا من بيطاط وبوضياف وآيت أحمد وبن بلة، يقول بن طوبال: “بعض هؤلاء كان بعيدا عن الواقع الجزائري”. ويذكر بن طوبال أنه وخلال لقائه بالمجموعة، لمس سلطة بن بلة على زملائه، بحيث كان وحده ناطقا رسميا باسمهم، وحده بوضياف كانت أرجله في الأرض وخيذر لم تكن له تصرّفات رجل الدولة، كان رجل التجمعات والخطابات الكبيرة”.
وبحسب شهادة بن طوبال، فإنه ومنذ البداية، شكل وجود كريم مشكلة، فبن بلة لم يكن يثق فيه، وخيذر قال إن كريم كانت له علاقات واتصالات مع الفرنسيين عن طريق جون موهوب عمروش.
أثناء اللقاءات التي تناولت مناقشة الملفات المنتظرة عند بداية المفاوضات، يقول بن طوبال إن المجموعة كانت منقسمة على نفسها، فكان كل من بن بلة وخيضر وبيطاط في جهة وبوضياف وآيت أحمد من جهة أخرى. فقد وضع بن بلة شروطا مسبقة ليوافق على السير مع الحكومة المؤقتة في ملف المفاوضات، وهي إعادة تطبيع علاقاتها مع نظام جمال عبد الناصر. يقول صاحب الكتاب: “استغربت مثل هذا الطلب، لأن عبد الناصر حاول التدخل في الشؤون الداخلية للثورة، وعبد الناصر أراد أن نكون تابعين له. لهذا، تم نقل مقر الحكومة إلى تونس، فنحن لا نسمح لأي حكومة عربية كانت أو غيرها أن تتدخل في شؤوننا، لكن بن بلة أصر على موقفه، لن أزكي المفاوضات إن لم تعد الحكومة المؤقتة تطبيع العلاقات مع مصر”. وبشأن الخلاف الذي بدأ يستفحل بين الحكومة المؤقتة وبين قيادة الأركان، أوضح صاحب المذكرات أن بن بلة لم يكن له موقف واضح، فقد أخبرنا بأن بوتفليقة زاره ليوضح له وجهة نظر قيادة الأركان، فيما أبدى آيت أحمد دعمه للحكومة المؤقتة.
في هذا الجزء من المذكرات، تطرّق أيضا لخضر بن طوبال إلى المسار العسير للمفاوضات، خاصة ما تعلق منها بفصل الصحراء والقواعد العسكرية الفرنسية، إضافة إلى ملف الأجانب المقيمين في الجزائر، الذين كانت فرنسا تريد إعطاءهم طواعية الجنسية الجزائرية، وهذا ما رفضه الوفد الجزائري المفاوض، إضافة إلى استغلال الثروات البترولية.
خصص بن طوبال جزءا مهما من كتابه للحديث عن مختلف مراحل المفاوضات التي باشرتها الحكومة المؤقتة مع الطرف الفرنسي، خاصة في ظروف اتسمت بالانقسامات واختلاف الرؤى بين مختلف رفقاء السلاح والأزمة المفتوحة مع قيادة الأركان، “فبعض ممثليها سعوا لإبراز قادة الحكومة المؤقتة المفاوضين، كأنهم أغبياء وغير مؤهلين لقيادة المفاوضات”.
وبحسب بن طوبال، فقد “عملت قيادة الأركان على وضع الحواجز وعرقلة الاتفاق الذي عرض على مجلس الثورة لإثرائه”. يقول بن طوبال في هذا الصدد: “كان هذا أمرا عاديا، لكن المفاجئ، أن عباس أيضا الذي كان إلى حد الساعة لم يجد وطنه الحقيقي الذي لم يتضايق ولم يشكل له الوجود الفرنسي يوما مصدر قلق، عباس الذي صار فجأة مواطنا جزائريا بفضل بركة الثورة، حتى صار رئيس الحكومة، ظهر في هذه الدورة لمجلس الثورة مثل رجل قوي وعنيد وخاطب سعد دحلب الذي عيّن كمقرر للبعثة، السيد، الله غالب أود لو توضح لنا ماذا تعنيه بالتجارب العلمية في الصحراء، وكان عباس يقصد الاستهزاء بسعد دحلب الذي فقد هدوءه وأخذ يشرح موقفه، لكن عباس اعتبر أن مبدأ المناصفة تنازل للطرف الفرنسي، كما اعتبرت قيادة الأركان أن الوفد المفاوض قدم تنازلات للطرف الفرنسي ولم يدافع بما فيه الكفاية عن حقوق جيش التحرير”.
قيادة الأركان عارضت أيضا الاتفاق، فبومدين اعتبر أن الحقوق التي منحت للأقليات الأوروبية كانت كبيرة والتنازلات التي أعطيت أيضا للجيش الفرنسي اعتبرها بومدين كبيرة، وستصبح عائقا عندما يتحقق الاستقلال لاحقا، ونفس الحجة قدمها علي منجلي وقايد أحمد للدفاع عن موقفهما.
بحسب بن طوبال، المعارضون “كانوا يعرفون أن أصواتهم لن يكون لها أي وقع، لأن وقف إطلاق النار سيعتمد، كانوا فقط يريدون استغلال هذه المعارضة سياسيا مستقبلا، مثلا سعد دحلب لم يفهم لماذا وقف قايد أحمد ضد المفاوضات، رغم أنه مقتنع في أعماقه بوقف إطلاق النار، لكنه برر موقفه قائلا: “أصوت ضد، لأنني أريد لاسمي أن يكتب في التاريخ”.
ويصف بن طوبال آخر دورة من اجتماع مجلس الثورة فيقول: “انتهت دورة مجلس الثورة في جو من الكآبة، لم يكن أي حماس عند المندوبين، رغم أن النتائج المحققة كانت تاريخية”.
عرف الاجتماع الأول للحكومة المؤقتة مباشرة بعد إقرار المفاوضات عدة مشاكل، منها الاتصال بالديوان الدولي للاجئين والأمم المتحدة، لترتيب عودة أزيد من 300 ألف لاجئ جزائري إلى الوطن، وترتيب الأمور الإدارية وتسيير مختلف المصالح بعد انسحاب الفرنسيين، كل هذه الأمور يقول إنها “لم تكن شيئا ذا بال لدى مجموعة الخمس، يقصد بن بلة ورفاقه، لأن عقلهم كان في مكان آخر. فبن بلة عجل مباشرة الاتصال بقيادة الأركان وقام بزيارة الوحدات المرابطة في وجدة وقدم كزعيم للثورة الجزائرية”. ويضيف بن طوبال في مذكراته متحدثا عن تصرفات بن بلة ورفاقه: “في الوقت الذي كنا فيه مشغولين بإنشاء اللجنة المختلطة المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار، غادر كل من بن بلة وآيت أحمد وخيذر إلى القاهرة، حيث نظم لهم مهرجان كبير استقبلتهم فيه الجماهير العربية في القاهرة، وكان الأجدر بهم أولا زيارة اللاجئين الذين كانوا في انتظارهم في الحدود التونسية”.
في هذا الجزء من الكتاب، يتحدث أيضا بن طوبال عن بدايات تشكيل الكوادر الإدارية التي ستتكفل بتسيير جزائر ما بعد الاستقلال، فمع بداية تطبيق وقف إطلاق النار وتشكيل اللجنة المشتركة المكلفة بتسيير المرحلة الانتقالية، يقول بن طوبال إنهم اتصلوا بجميع الولايات بما في ذلك فدراليات جبهة التحرير في فرنسا وتونس والمغرب، الحاجة المستعجلة لإطارات كفأة ومؤهلة لتسيير مختلف الإدارات والمؤسسات في البلاد، وهذا تحسبا لانسحاب الفرنسيين بعد إقرار وقف إطلاق النار. وأكد بن طوبال أن المعيار الوحيد الذي تم اعتماده هو شهادة جامعية، حيث أصبحت الشهادة أو العنوان الجامعي هو المعيار الوحيد بعيدا عن الالتزام السياسي أو الخلفية النضالية والثورية، ويقر صاحب المذكرات بأن هذا القرار كان بداية الانحرافات التي ستعرفها الإدارة الجزائرية لاحقا، حيث يعترف بن طوبال بأنهم ارتكبوا خطأ بوضع الإدارة الجزائرية بين أيدي أناس لا يعرفون الشعب الجزائري، ومارسوا عليه الأبوة والاستعلاء، وكانت النتيجة تنصيب إطارات من دون خلفية ولا مرجعية سياسية كوّنت لاحقا ظاهرة، غزت الإدارة الجزائرية، وهيأت الأرضية للطبقة السياسية التي ستكون دعما لبن بلة في 1962 “لقد ساهمنا في إطلاق ظاهرة ستتجاوزنا لاحقا، لقد أطلقنا كرة الثلج التي ستتعاظم وتجرف في طريقها الكثيرين وعندما أدركنا هذا الأمر كان الوقت قد فات”.
ويؤكد بن طوبال أن المناضلين في الولايات كانوا ضد هذه القرارات، لكنهم لم يجدوا بدا من الامتثال لها بروح الانضباط والالتزام، التي تميز المناضلين، ويعترف المؤلف قائلا: “لقد فتحنا الأبواب أمام أناس حاربونا في ما بعد”.

مقالات ذات صلة