-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الطاهر معاليم يكشف نقاطا غامضة في مذكراته

تفاصيل استشهاد بن بولعيد ومحاولة اغتيال عجول

صالح سعودي
  • 4945
  • 0
تفاصيل استشهاد بن بولعيد ومحاولة اغتيال عجول
ح.م

تتضمن “مذكرات ابن الأوراس”، للمجاهد الراحل الطاهر معاليم، عديد القضايا الشائكة التي عرفتها الثورة بالأوراس، مثل ظروف استشهاد القائد مصطفى بن بولعيد ومحاولة اغتيال عاجل عجول الذي أرغم على الاستسلام في ما بعد، إضافة إلى مساهمته في إنقاذ المجاهدين محمد الصالح يحياوي وعلي بن مشيش. وإذا كان المجاهد الطاهر معاليم قد وافته المنية (صائفة 2013) قبل أن يكمل مذكراته، إلا أن ابنته الأستاذة مليكة معاليم قد عملت على إتمامها وفقا للمخطوط الذي كان بحوزتها واستجواب بعض رفقاء والدها في السلاح.
تتطرق مذكرات المجاهد الطاهر معاليم إلى الكثير من المسائل التي تخص نقاطا غامضة خلال الثورة التحريرية، وتم حوصلتها في عدة محاور، من ذلك وضع الأوراس قبل وخلال اندلاع الثورة، وظروف استشهاد البطل مصطفى بن بولعيد في أعالي الجبل الأزرق، إضافة إلى فتنة القيادة وما نجم عنها من تصدعات وخلافات استهدفت عاجل عجول الذي أرغم على الاستسلام، كما تطرق إلى محطات هامة وجوانب من مسيرته خلال الثورة التحريرية، من ذلك تعيينه مسوؤلا عسكريا بالناحية، وكيفية تعامله مع الفارين من الولاية السادسة، ومساهمته في إنقاذ القيادي محمد الصالح يحياوي وعلي بن مشيش ورحلته لتونس ونجاته من كمين بآريس وملف المتطوعين (الفولونطيا) وغيرها من الأمور التي لا تزال تثير فضول الباحثين والمهتمين بخفايا وخبايا الثورة بالأوراس.

ظروف وتفاصيل استشهاد مصطفى بن بولعيد


تعد حادثة استشهاد البطل مصطفى بن بولعيد من الأمور التي هزت الأوراس خلال الثورة، وفي هذا الجانب يقول الطاهر معاليم في مذكراته: “تقرر انعقاد إجماع لجميع الكتائب دعا إليه مصطفى بن بولعيد في الجبل الأزرق، وقد تأخر موعد وصوله بسبب كمين بناء على وشاية حسبما روى لنا ذلك هو بنفسه، لكنه وصل إلى الجبل الأزرق مع رفقائه دون أن يصاب احدهم بأذى”، مضيفا أنه دعا إلى حفر خنادق تحسبا لأي هجوم طارئ قد يقوم به العدو، في الوقت الذي كان منشغلا في كتابة التقارير والمنشورات والرسائل وغيرها. وفي اليوم الثالث جاء أحد المناضلين يدعى “علي أوباشة” يحمل مذياعا وكيسا مملوء بالطعام وكمية من الخراطيش، وقال إن فرنسا أطلقت هذه الأشياء عن طريق طائرة.
وقال معاليم في هذا الجانب: “بما أنني كنت مسؤولا عن التموين أمرت الجنود وحذّرتهم من تناول الطعام أو استعمال الخراطيش إلى إشعار لاحق، ثم أخذت ذلك الطعام وصببت عليه الحليب وقدمته إلى القطط التي كانت تعيش في البيوت المهجورة والتهمته ثم نفقت، حينئذ أدركت أن الطعام مسموم وكذلك تكون الخراطيش ملغمة ما جعلني أعطي أمرا بعدم استعمالها”، مضيفا أن المجاهد المدعو “القط” أصر على اختبار الخرطوش، وما إن ضغط على الزناد حتى انفجر السلاح فبترت إحدى يديه، “وفي الحين ذهبت إلى مصطفى بن بولعيد لأخبره عن الحادثة، لأنه كان معنا في تلك البيوت الخربة”، مضيفا بالقول: “وما إن ولجت الحجرة التي يقيم فيها حتى وجدته مع بعض المجاهدين وبيده مذياع راح يشغله حتى استقر في الأخير على موجة يقول فيها المذيع إننا باسبانيا. وقال معاليم بأنه ترك بن بولعيد يغير البطاريات وذهب لأداء عمله، وبعد الفراغ من مهمته عاد مجددا، و”لما اقتربت من المنزل الذي يقيم فيه بن بولعيد دوى انفجار هائل صم آذاننا وأخرس ألسنتنا، وبعد انقشاع الغبار رأينا المنزل قد صار آثارا.. ولم نجد إلا أشلاء ممزقة لم نكد نتعرف على أصحابها إلا من خلال الملابس التي كانوا يرتدونها”. وأوضح الطاهر معاليم في مذكراته انه بعد هذه الحادثة المؤلمة تلقوا أوامر بعدم إفشاء خبر استشهاد مصطفى بن بولعيد مهما كان الأمر.

زيارة عميروش ومحاولة اغتيال عجول
باستشهاد مصطفى بن بولعيد كانت الولاية قد دخلت في دوامة من الخلافات، فجاء عميروش والحاج لخضر ووجها دعوة إلى المسعود بن عيسي لحضور اجتماع في كيمل، كما دعي عجول أيضا في نفس المكان ولذات السبب.
وحسب الطاهر معاليم فقد جاء هذا الأخير مع جيشه غير أن الجيش بقي متمركزا بالجبال المحيطة بمكان اللقاء، مضيفا بالقول: “وفي غمرة هذا الجو المشحون بالدسائس والوساوس لم نكن نعلم شيئا عن فحوى هذا الاجتماع، حيث شاع في وسطنا أن عميروش جاء ليتولى قيادة الولاية الأولى”.
وتطرق معاليم إلى محاولة اغتيال عجول قائلا: “بعد تناول العشاء راحوا يهيئون مكان النوم، ففرشوا الحلفاء لعجول من جهة جدار المنزل وإلى جانبه أحمد زروال ومحمد الصغير هلايلي، أما البيوت الأخرى فقد خصصت لبقية الجيش، وفي هذا الظرف الرهيب كنت إلى جانب عمار بلعقون خارج المنزل تحت أشجار الكروش”، وبينما نحن منشغلون في الحديث حسب معاليم حتى اخترق هذا السكون صوت الرصاص من المنزل الذي نام فيه عجول. “في هذه الأثناء رأينا شخصين يخرجان هاربين من نفس المنزل، أسرعنا إلى مكان الحدث فوجدنا أحمد زروال مقتولا ومحمد الصغير هلايلي سالما، أما عجول فقد علمنا في ما بعد أنه نجا عبر الجهة الخلفية المحاذية للوادي، ويبدو أنه كان جريحا بدليل أثار الدم التي وجدناها في الطريق الذي سلكه”. وأكد الطاهر معاليم أنهم عاشوا أياما صعبة، حيث تنقلوا إلى وستيلي، حيث ودعوا الحاج لخضر وعميروش، ثم مكثوا 3 أيام في وستيلي، وقد حامت خلالها طائرة العدو وأطلقت منشورات مفادها أن “عجول القائد قد سلم نفسه فاحذوا حذوه”.

هكذا أنقذت محمد الصالح يحياوي بعد إصابته في كمين


يحتفظ المجاهد الراحل بذكريات مع رفيقه في السلاح محمد الصلح يحياوي الذي أنقذه من كمين خطير في الأوراس، حيث يقول في هذا الجانب: “جاء محمد الصالح يحياوي إلى المنطقة مطلع الستينيات، وقد التقى بعلي سرار بناحية آريس، وطلب منه مرافقته مع ثلاثة مجاهدين منهم أمغشوش محمد العربي، توجهوا إلى علي أويحيى.
ومن الصدف أن جئت رفقة كومندو إلى نفس المكان بمعية 14جنديا”. وقد قصد الطاهر معاليم منطقة تاكربوشت فيما كان هو متوجها إلى قرية لارباع، ودعا بعضهما، لكن بعد أن قطعا مسافة 200 متر وقع محمد الصالح يحياوي في كمين نصبه الحركى، حيث تعرض لإصابة بليغة في رجله، ما جعله يحتمي بأسفل شجرة بالوادي، وعلى إثر ذلك سمع معاليم صوت علي سرار وهو يصرخ وينادي وطلقات الرصاص لا تتوقف، حيث يقول في هذا الجانب “هرعت صوب الصوت إلى أسفل الوادي لأجد محمد الصالح يحياوي وعلي سرار يحمله، حملته على ظهري وأمرت محمد العربي أمغشوش بالانصراف والالتحاق بأصحابه.
توجهت بمحمد الصالح بعيدا عن موقع الكمين حتى وصلنا إلى بيت متواضع جدا، صنعنا له محملا من الأعمدة ونقلته على كتفي إلى لارباع وتركته في مخبأ (كازمة)، وبعد أن فحصه طيب المنطقة المدعو بوليلة طلب نقله إلى مستشفى الجيش بكيمل، وقد كانت هناك كتيبة متمركزة في “المالو”، حيث طلب منهم إرسال من يقوم بحراسته تحسبا لاحتمال قيام فرنسا بتمشيط المنطقة، خصوصا عندما علمت بالحادثة. لكن حسب الطاهر معاليم، فبعد أن تبددت الشكوك، توجه إلى قرية لارباع وطلب من رئيس اللجنة المدعو “محمد أومعمر” إحضار بغلتين، حيث تم نقل الجريح محمد الصالح يحياوي نحو ثنية قبر الرصاص قرب بوحمار قبل التوجه إلى مستشفى الثورة بنواحي كيمل وشيليا.

يحياوي طلب مني قتله حتى نرتاح من عبئه
وقد واجه المجاهد محمد الصالح يحياوي متاعب بالجملة بسبب آلام الإصابة التي تعرض لها في هذا الكمين، حيث يقول الطاهر معاليم في مذكراته: “ونحن متوجهون إلى المستشفى وخوفا من وقوعنا في قبضة العدو طلب مني محمد الصالح يحياوي أن أقتله لنرتاح من عبئه وحتى لا نتعرض للأسر أو ينكشف الجيش، فأقسمت له ألا أفعل، اللهم إلا إذا وقعنا في كمين وأصبت وتيقنت من القبض علينا.. وصلنا إلى منطقة لمدينة وعادت الدورية التي أرسلتها لتكون لنا عينا، وأخبروني بأن الحركى قد نصبوا لنا كمينا فغيرنا الطريق باتجاه الوادي ثم دخلنا إلى الغابة مع الليل”، مضيفا بالقول: “أمضينا ليلتنا مشيا حتى طلوع الفجر، ولما بلغنا غابة كيمل رأينا العدو قد كسح قمة الجبل، لكن الله تعالى جعل لنا الغابة بمثابة الدرع الواقي فصرنا بمنأى عنه، توقفنا قليلا للراحة وإعداد القهوة، ثم قام الجنود بتنظيف جرح المصاب، ومن حسن الحظ أن رجله لم تنتفخ ولم تنزف”، ليواصلوا السير نحو المركز في كيمل، فجاء الطبيبان “سي محفوظ” و”الدكتور عثامنة”، وبعد فحصه رأوا من الضروري شد رجله بالجبس والألواح ليعود العظم إلى مكانه، حيث “كان الألم شديدا على محمد الصالح يحياوي”، وبعد انتهاء الطبيبين من عملهما أخبراه بأنهما لا يستطيعان إخراج الرصاصة من جسمه وهو على هذا الحال، ما يتطلب التأجيل حتى يتماثل إلى الشفاء.

قصتي مع علي بن مشيش والفارين من الولاية السادسة
ومن الحوادث التي عايشها المجاهد الطاهر معاليم حين كان في منطقة باتنة، التقاؤه بمجاهدين من الولاية السادسة معهم أسير مقيد، حيث قال في هذا الجانب: “ما إن رأيته حتى عرفته.. إنه المرحوم علي بن مشيش، لقد أخذتني قشعريرة من هذا المنظر المؤلم والحزين في آن واحد، لقد عرفت الرجل مجاهدا وبطلا، سارعت إلى عناصر هذه المجموعة مستفسرا عن سبب أسره، فقيل بأنهم تلقوا أمرا من العقيد سي الحواس يقضي بتسليمه إلى الحاج لخضر والتقرير معهم”، فطلب منهم الطاهر معاليم أن يسلموه إياه على أن يتولى توصيله، وبعدما انصرفوا فك وثاقه وتركه حرا طليقا، وطلب منه أن يبقى معه، ثم طمأنه بعدم تسليمه، وقال الطاهر معاليم حول هذه النقطة: “بقي معي مدة 3 أشهر، فلم أسأله عن سبب اعتقاله، وأثناء هذه المدة التي لازمني فيها كان ميالا إلى العزلة والانزواء شارد الذهن حيران، وفي الأخير قررت أن أرسله إلى تونس، فوافق على قراري، ذهب وعاش هناك ولم يعد إلا بعد الاستقلال، وكتب الله له الحياة حتى توفاه الأجل في الاستقلال بمقر إقامته بعنابة”.
كما يسدر الطاهر معاليم قضية أخرى حين كان متواجدا بآريس، حيث التحقت بهم مجوعة من مجاهدي الولاية السادسة، كان عددهم ستة، حدث ذلك في سنة 1961، جاؤوا فارين من منطقتهم فاستقبلوهم حسب قوله بشكل جيد بصفتهم مجاهدين، وبعد أن أخذوا قسطا من الراحلة سألوهم عن سبب هربوهم فأخبروهم أنهم لم يتحملوا نظام الولاية، فضلا عن طبيعة المنطقة التي تعد مكشوفة للعدو، كما أنهم حسب رأيهم ليسوا من أبنائها، ما زاد الطين بلة حسب الطاهر معاليم، فقد كانوا في المنطقة الثالثة، والولاية الأولى تمتد من جبل أحمر خدو والجبل الأزرق يشرف على قيادها آنذاك سي الحواس، ولما أنشئت الولاية السادسة أصبحت هذه المنطقة تابعة لها، وبالتالي فهم أبناء هذه الجبال.
وقال طاهر معاليم في مذكراته “قمنا بتحرير تقرير مفصل عنهم وأرسلناهم إلى مسؤول المنطقة قصد الاستشارة والتوجيه في كيفية التعامل معهم، ثم في نفس الوقت أحالت المنطقة القضية إلى الولاية وكان على رأسها طاهر زبيري، فأعطانا أمرا كتابيا يقضي بردهم إلى الجهة التي جاؤوا منها”، لكن حسب الطاهر معاليم فقد اتخذ قرارا بإبقائهم مع رفقائه في الجهاد، مؤكدا أنهم اثبتوا جدارتهم وكفاءتهم وإخلاصهم أثناء المعارك التي “خضناها وهم بصحبتنا”.

قضية المشوشين و”الفولونطية”


ومن بين القضايا التي عرفتها منطقة الأوراس خلال الثورة، ما اصطلح عليه بجيش المتطوعين (الفولونطيا) الذي نتشر في جبال آريس وإشمول وما جاورها، لكن يبدو أن الطاهر معاليم اخلط بين مصطلح المتطوعين والمشوشيش، إلا إذا كان ينظر إلى جيش المتطوعين على أنهم مشوشيش، بحكم أن مصطلح المشوشيش انتشر أكثر بعد مخلفات مؤتمر الصومام صائفة 1965، ويقول الطاهر معاليم: “مع بداية الثورة، تم تشكيل جيش يقوده احمد عزوي والمسعود عيسى ومحمد اوزناجي، انضموا إلى بعضهم البعض وصار لديهم عدد كبير من الجنود، وكنا نسميهم “المتطوعون” لأنهم لم يكونوا خاضعين لنظام جيش التحرير ولا لجبهة التحرير.
وقد قاموا بعملية ناجحة ضد العدو وقادهم أحمد عزوي في بداية 1956، حيث نصبوا كمينا لقافلة عسكرية بين آريس ولمدينة، حيث كبّدوا العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ولقيت صدى واسعا في أوساط المنطقة، ما جعل 35 حركيا بأسلحتهم ينضمون إليهم”، وهنا ازداد عدد الفولونطيا حسب الطاهر معاليم، حيث انتقل مسعود بن عيسى مع جيشه إلى تونس ليلتحق به فيما بعد محمد أوزناجي، ولم يبق إلا القائد احمد عزوي، وقد كانوا متمركزين معه في مناطق بوحمار ووستيلي وطاقا وفم الطوب”.
وأضاف الطاهر معاليم بالقول “بعد معركة بوحمار لم يبق من المشوشين سوى أعدادا قليلة مع المسعود ورابحي الشريف. وقد سعى القيادي مصطفى بن النوي إلى ضمهم لصفوف الجبهة أو الجيش، ولذلك وقع لقاء بين رابحي الشريف ومسعود عيسى لمناقشة هذه الفكرة، فحدث طلاق بينهما أدى فيما بعد إلى مقتل مسعود بن عيسى سنة 1959 بمنطقة شيليا”، في الوقت الذي واصل فيه مصطفى بن النوي محاولاته مع رابحي الشريف ومجموعته، فقبلوا الانضمام بشرط أن يتمركزوا بناحية بوعريف.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!