الرأي

تقابلاتٌ إيرانية: نبضُ القوة من قلب التناقض!

تُعدُّ إيران واحدة من أكثر الكيانات السياسية إثارة للجدل في العصر الحديث؛ لا لكونها لاعبا إقليميا مؤثرا فحسب، بل لقدرتها الفريدة على الجمع بين “متقابلات” تبدو في تجارب دول أخرى نُذرا للفشل أو مدعاة للانهيار، لكنها في الحالة الإيرانية تشكل نسيجا بنيويا يمنح الدولة المرونة والاستقرار.

يقدم النموذج الإيراني مزيجا استثنائيا يجمع بين ثيوقراطية ولاية الفقيه العابرة للحدود مقابل نزعة قومية فارسية ضاربة في عمق التاريخ، وبين واقع حصار اقتصادي خانق امتدّ عقودا مقابل قفزة تكنولوجية وعسكرية مدهشة. إن فهم هذه الحالة يتطلب الغوص في كيفية إدارة النظام الإيراني لثنائيات: الانغلاق/ الانتشار، والاختراق/ الاستبسال، والمعارضة/ الولاء، ففي حين يرى المراقبون في هذه التقابلات شروخا في جدار الدولة، يراها صانع القرار في طهران “ميكانيكا سياسية” تمنح النظام مرونة المناورة في إقليم متشنِّج ومناخ دولي متأهب للمصادمة.

وتفكيكا لهذه المتقابلات، يبرز التساؤلُ الجوهري حول سرِّ فاعلية الأقلية الشيعية المنظمة سياسيا وعسكريا مقابل التشتُّت في الفضاء السني الأوسع، وصولا إلى طبيعة العلاقة المعقدة بين الأيديولوجيا الدينية ومفهوم المواطنة، وكيف استطاعت إيران أن ترفع راية الدفاع عن الأمة في الوقت الذي تتمدّد فيه بنفوذها، مصادِمة المكوِّنات الوطنية الدولية الأخرى المشكِّلة لأغلبية الأمة؟

الأولى: الكتلة المذهبية مقابل الفاعلية الإقليمية

تطرح المقارنة الرقمية بين المكونين السني والشيعي مفارقة صارخة في موازين القوة والنفوذ؛ فكيف لكتلة بشرية تمثّل الثقل الأعظم للأمة بنسبة تتجاوز 92% أن تظل في حالة من التشتُّت الاستراتيجي، بينما تنجح كتلة لا تتجاوز 8% على رأسها إيران في بناء قوة قطبية عابرة للحدود؟ إذ نجد أن النظام الإيراني استطاع صهر صرامة التنظيم العقائدي مع الحسابات الجيوسياسية في بوتقة واحدة، ففي حين انخرطت الدول السنية الكبرى في تعزيز الدولة الوطنية بمصالحها القُطرية الضيقة، تبنّت طهران صيغة الدولة الرسالية التي تُدار برأس واحد وفق نظرية ولاية الفقيه، مما منحها قدرة أكبر على المناورة والعمل طويل النَّفَس تحت مظلة قرار مركزي موحد.

هذا التباينُ الجوهري جعل الفضاء السني يعتمد في حركته إما على القوة التقليدية للدول أو على حركات شعبية تفتقر للظهير الدولي الداعم والساند، في حين تقوم إيران بمأسسة نفوذها عبر أجهزة موحدة كنموذج الحرس الثوري، وتخصص له جهاز للعمليات الخارجية سمَّته “فيلق القدس”. ولم تكتفِ إيران بالتعاطف المذهبي العفوي خارج حدودها، بل عملت على توليف امتدادات الجغرافيا إلى امتداد أيديولوجي وتنظيمي، وتحويل الأقليات في لبنان والعراق واليمن وسوريا والسعودية من مجرد مكوِّنات اجتماعية إلى جيوش عقائدية. بل، واشتراكات مالية بخُمس الدخل السنوي لصالح ولاية الفقيه. هذه الكياناتُ باتت تمتلك أسلحة متطورة وأهدافا إستراتيجية تخدم الأمن القومي الإيراني بالدرجة الأولى، وتتحرَّك كأذرع عضوية للمركز في طهران، مما خلق واقعا موازيا يفرض شروطه على الأرض بعيدا عن قواعد الدبلوماسية والعلاقات الدولية التقليدية.

الثانية: ثيوقراطية “ولاية الفقيه” مقابل نسيج التعددية

تبرز قوة النظام الإيراني في التوفيق بين ركيزتين تبدوان في الفكر السياسي المعاصر متنافرتين؛ وهما سيادة عقيدة دينية حصرية متمثلة في ولاية الفقيه، مقابل ترسيخ مفهوم المواطنة وإدارة التنوُّع العرقي والطائفي وفق منطق المؤسسات، ففي حين يتأسس النظام الإيراني على شرعية دينية عليا تمنح الولي الفقيه صلاحياتٍ سياسية وروحية مطلقة، ويتمدد عبرها المذهب إلى خارج الحدود الوطنية، يؤسس في الآن ذاته للدولة الوطنية التي تستوعب تعقيدات المجتمع الإيراني متعددِ الأعراق والطوائف، محولا الهوية الإيرانية إلى وعاء جامع يتسع للمذاهب والقوميات المختلفة تحت سقف السيادة الوطنية الواحدة.

لقد اعتمدت الدولة الإيرانية مؤشراتٍ واضحة لدمج الأقليات والطوائف في متن المؤسسات السياسية؛ إذ يضمن الدستور تمثيلا لمختلف المكوِّنات في مجلس الشورى (البرلمان)، بما في ذلك السنة والأرمن واليهود والزرادشة. هذا التمثيل ليس مجرد واجهة ضرورية فحسب، بل هو جزء من ميكانيكا الاستقرار التي تهدف إلى امتصاص النزعات الانفصالية، وتحويل الطوائف من تقوقعات معزولة إلى شركاء في القرار الوطني.

ومن المفارقات هنا أن الدولة التي ترفع شعار المذهبية في تمدُّدها الخارجي، تمارس قدرا مدهشا من البراغماتية في الداخل لضمان ولاء أعراق وطوائف لا تشترك مع النظام في مذهبه، لكنها تشترك معه في المصير القومي والوجودي. هذا التوازن الدقيق جعل المكوِّنات غير الفارسية وغير الشيعية تشعر بأن قوتها من قوة الدولة، مما حصَّن المجتمع الإيراني ضد محاولات التفتيت الخارجي، وجعل التعدد العرقي والطائفي مصدرَ ثراء للهوية الوطنية بدلا من أن يكون ثغرة اختراق.

الثالثة: معارضة النظام لا معارضة الدولة

تتجلى طبيعة العلاقة بين النظام ومعارضيه في نضج سياسي لافت يُفرِّق بوضوح بين الاختلاف مع النظام الحاكم وبين الاختلاف على حماية الدولة. ورغم حدِّية السلطة أو ما يُطلق عليه “الإكراه المشروع”، وصرامة القيود والتمظهرات الأيديولوجية، إلا أن هناك تيارا عريضا من المعارضة الإيرانية، سواء في الداخل أو الخارج، يتبنَّى رؤية تؤسس على أن صراع السلطة لا يجب أن يؤدي بحال من الأحوال إلى تفكيك جغرافيا الدولة الإيرانية أو المساس بكيانها التاريخي والحضاري. هذا الوعي القومي يجعل المعارضة حائط صدٍّ ضد التدخلات الأجنبية التي تستهدف وحدة البلاد، وهو سلوكٌ سياسي يخالف بوضوح ما شهدته بيئاتٌ إقليمية وأنظمة عربية مجاورة، تحولت فيها المعارضة في لحظات التأزم إلى أداة لهدم مؤسسات الدولة، ووقع بعض أقطابها في فخ العمالة للأجنبي بحثا عن التغيير.

وتبرز في هذا السياق نماذج عدة، منها موقف ممثل الطائفة السنية من الحرب الصهيوأمريكية على إيران، بإعلانه الولاء المطلق للدولة والحشد لصدِّ هذا العدوان الأمريكي الصهيوني، مؤكدا أن حماية الدولة فريضة وطنية تسمو فوق المظلومية المذهبية. كما يبرز نموذج المخرج السينمائي جعفر بناهي كمثال بارز في هذه المفارقة؛ فرغم مواقفه المعارضة الصارمة وتعرُّضه للملاحقة والمنع، إلا أنه آثر العودة من تركيا إلى طهران، مفضِّلا مواجهة تبعات مواقفه داخل حدود وطنه على أن يكون صوتا مهجرا يغرد خارج السرب القومي. هذه المواقف تؤشر إلى قناعة لدى النخبة الإيرانية بأن “إصلاح البيت” أو حتى الصراع فيه يظل شأنا سياديا داخليا، وأن الحفاظ على بيضة الدولة وقوتها هو الضمانة الوحيدة لكرامة الإيراني بغضِّ النظر عن لونه السياسي أو المذهبي.

الرابعة: خروق أمنية مقابل استبسال أيديولوجي

جمعت هذه الحرب بين تناقض رهيب؛ بين اختراق أمني وصل إلى مفاصل حساسة في الدولة، وبين استبسال مدهش ووطنية مفرطة؛ فبينما كشفت الاغتيالات والعمليات النوعية -خاصة الضربة الأولى- عن وجود ثغرات استخباراتية وجواسيس في مستويات عليا، إلا أن هذا الانكشاف الأمني لم تتبعه حالة ارتباك أو تراجع ميداني، بل على العكس، برز الحرس الثوري والمؤسسات السيادية في حالة استنفار قتالي دائم، محولين الفشل الأمني الجزئي إلى وقود للتعبئة المعنوية والحشد في مجابهة العدو الأمريكي الصهيوني.

ظهر هذا الاستبسال بوضوح في رمزية استشهاد القادة؛ من استشهاد المرشد وكبار قادة الصف الأول إلى قادة الظل في الحرس الثوري. ورغم هذه الضربات القاسية، نجد أن المؤسسات استطاعت امتصاص الصدمة واستبدال القادة بآخرين يتّسمون بالحزم ذاته. ولم يكن ذلك فقط على المستوى العسكري، بل برزت شخصيتا وزير الخارجية ورئيس البرلمان كمثال لـ”الدبلوماسية المقاتِلة” التي لا تكتفي بالدفاع، بل تهاجم وتناور في قلب العواصم المعادية. كما برزت شخصية الدكتور حسن أحمديان كمحلل على شاشة “الجزيرة” وهو يقيم منصة أخرى للقتال ضد السردية الأمريكية والإسرائيلية وما يتماهى معها، مما يعكس ثباتا في العقيدة السياسية لا يتأثر بحجم الخروق الأمنية، وكأن الدولة الإيرانية صُمِّمت لتظل تقاتل حتى وهي تنزف من ثغراتها.

هذه المفارقة تشير إلى أنَّ القوة الإيرانية لا ترتكز فقط على التقنيات الأمنية، بل في جوهرها على الاستماتة الأيديولوجية التي تجعل الفرد، سواء كان جنديا أو دبلوماسيا أو نخبويا، مقاتلا، ومشروع شهيد في سبيل الدولة. هذا المزيج من الوطنية المفرطة والولاء المطلق للمشروع العابر للحدود، خلق حالة من الصلابة البنيوية للنظام وللدولة، ما يجعل من الصعب على الخصوم تحويل الاختراق الأمني إلى انهيار استراتيجي؛ فإيران تدير صراعها بمنطق النَّفَس الطويل، إذ يظل الاستبسال في الميدان هو الحقيقة الثابتة، بينما تظل الجاسوسية مجرد ضريبة تدفعها دولة تخوض حربا مفتوحة مع أكبر القوى والأجهزة الاستخباراتية في العالم.

الخامسة: حصار عقود من الزمن مقابل تمكُّن تكنولوجي

يبرز ذلك التباين المدهش بين واقع الحصار الاقتصادي الخانق الذي قارب نصف قرن، وبين القفزات التكنولوجية والصناعية التي حققتها إيران في ظل هذه العزلة، فبينما كان من المفترض منطقيا أن تؤدي العقوبات الدولية الممتدة إلى تهالك البنية التحتية وتراجع القدرات الإنتاجية، استطاعت إيران قلب المعادلة عبر “هندسة الحصار”، محوِّلة الضغوط الخارجية إلى محفز ذاتي للتمكن التقني، ليس فقط في الميادين العسكرية، بل وفي الصناعات المدنية الثقيلة والمعقدة.

لقد تجلَّى تحدي الصناعة الإيرانية في القدرة على تلبية احتياجات السوق الداخلية الضخمة ل95 مليون إيراني؛ إذ استطاعت بناء اقتصاد متكامل يوفر حاجات المواطن المحلية، ونجحت في ذلك بتشييد قطاعات متكاملة، للأدوية ولصناعة السيارات ولغيرها، مكّنتها من الاستغناء عن الاستيراد في مراحل كانت جدّ حرجة، بل والتوجُّه نحو تصدير إنتاجها إلى أسواق إقليمية ودولية. هذا الإصرارُ على توطين الصناعة يعكس إرادة سياسية في كسر طوق التبعية الاقتصادية، ويظهر كيف تحولت المصانع إلى خطوط دفاعية موازية تحمي الدولة من الانهيار الاجتماعي الذي كانت تراهن عليه الولاياتُ المتحدة الأمريكية من خلال الحصار.

هذا التطور المدني سار جنبا إلى جنب مع بناء قاعدة صناعية عسكرية جعلت إيران في مصاف الدول المتحكمة في تكنولوجيا الطائرات المسيَّرة والصواريخ الباليستية، وصولا إلى التمكن من دورة الوقود النووي كاملة. إن هذه المفارقة تكشف عن قدرة النظام على تخصيص الموارد وتوجيه العقول الأكاديمية نحو أهداف إستراتيجية، مما خلق حالة من الاستقلال التقني جعلت اكتسابَ القوة حقيقةً واقعة لا يمكن تقييدُها أو ثنيُها عبر بوابة العقوبات الاقتصادية وحدها، لتصبح إيران نموذجا للدولة التي نهضت تكنولوجيًّا تحت وطأة الحصار.

السادسة: راية “الأمة الرسالية” مقابل تفجير نسيج الدول الوطنية

تتمثل هذه المتقابلة جوهر الجدل السياسي والأخلاقي؛ فهي تعني ذلك الانقسام العميق بين الخطاب الإيراني الذي يرفع راية الدفاع عن قضايا الأمة الكبرى، وبين الواقع الميداني الذي شهد تمددا واجتياحا لسيادة الدول السُّنية، ففي الوقت الذي تتبنى فيه طهران خطابا رساليا يضع “تحرير القدس” والدفاع عن “المستضعَفين” في قلب أولويات الأمة، يصطدم هذا الخطاب بحقيقة أن المذهب الشيعي الذي لا يمثل أكثر من 8% من مجموع المسلمين، ومع ذلك، فقد أضحى نفوذه العسكري والسياسي يمسك بمفاصل القرار في عواصم عربية سنية كبرى. لقد استطاعت إيران أن توظف قضايا الأمة المركزية لرسم صورة ثورية لنفسها ضد الظلم والهيمنة الإمبريالية الغربية، لكن هذه الصورة تخفي خلفها امتدادات صدامية أدَّت إلى تفجير المكوِّنات المجتمعية وزعزعة استقرار الدول التي تمثل المحور السني وغالبية الأمة، مما خلق فجوة هائلة بين شعار وحدة الأمة وحمايتها، وواقع تفكيك مكوناتها الوطنية.. والأنكى أن هذه الروح الصدامية والنزعة الأيديولوجية التوسعية تقتصر فقط على داخل الأمة أي على حساب المكوِّن السني، فلا نجد لإيران ولا للمذهب الشيعي أي امتدادات على مستوى المسيحيين ولا الوثنيين ولا اللادينيين، حتى في أوروبا والدول الغربية حيث تتواجد الجاليات المسلمة يقتصر النشاطُ الشيعي على محاولة التمدُّد على المكوِّن السني أو المسلمين الجدد، ولا واقع لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام.

هذا التناقضُ يضع العقل السياسي أمام تساؤل صعب: كيف للدولة التي ترفع لواء الذود عن حياض الأمة أن تكون هي ذاتها الطرف الذي يساهم في إضعاف كياناتها الوطنية وتحويلها إلى ساحات للصراع المذهبي والسياسي؟ والأمثلة جد واضحة من العراق إلى اليمن إلى لبنان وسوريا. إن هذا التمدد، الذي يراه النظام “عمقا استراتيجيا”، يراه المحيطُ السني اعتداءً وتفجيرًا في عمق المجتمعات العربية السنية، مما يقوِّض أركان الدولة الوطنية ويصادر قرارها السيادي، وهو ما يصبُّ في نهاية المطاف لصالح الأجندة الصهيونية المعادية التي تقتات على تفتيت المنطقة.

إن هذه المفارقة بين “الدفاع” و”الاعتداء” تعكس ازدواجية الإدارة الإيرانية في التعامل مع الملفات الإقليمية؛ فهي تدرك أن بقاءها كقوة قطبية يتطلب حشدا أيديولوجيا تحت مسمى الأمة، وفي الوقت ذاته تدرك أن تأمين أمنها القومي يتطلب إضعاف المحيط عبر بناء أذرع موازية للدول. هذا الصراعُ المعقد بين المبدأ والمصلحة هو ما يجعل الدور الإيراني محل استقطاب حادّ، ويضعُ شعاراتها الوحدوية موضعَ شك وريبة لدى الكتلة الأكبر من المسلمين.

ختاماً، تظل إيران نموذجا للدولة التي تجيد اللعب على الحبال المشدودة، محوِّلة تناقضاتها الداخلية والخارجية إلى أدوات للبقاء والاستمرار في بيئة إقليمية ودولية شديدة الصراع.

اعتمدت الدولة الإيرانية مؤشراتٍ واضحة لدمج الأقليات والطوائف في متن المؤسسات السياسية؛ إذ يضمن الدستور تمثيلا لمختلف المكوِّنات في مجلس الشورى (البرلمان)، بما في ذلك السنة والأرمن واليهود والزرادشة. هذا التمثيل ليس مجرد واجهة ضرورية فحسب، بل هو جزء من ميكانيكا الاستقرار التي تهدف إلى امتصاص النزعات الانفصالية، وتحويل الطوائف من تقوقعات معزولة إلى شركاء في القرار الوطني.

جمعت هذه الحرب بين تناقض رهيب؛ بين اختراق أمني وصل إلى مفاصل حساسة في الدولة، وبين استبسال مدهش ووطنية مفرطة؛ فبينما كشفت الاغتيالات والعمليات النوعية -خاصة الضربة الأولى- عن وجود ثغرات استخباراتية وجواسيس في مستويات عليا، إلا أن هذا الانكشاف الأمني لم تتبعه حالة ارتباك أو تراجع ميداني، بل على العكس، برز الحرس الثوري والمؤسسات السيادية في حالة استنفار قتالي دائم، محولين الفشل الأمني الجزئي إلى وقود للتعبئة المعنوية والحشد في مجابهة العدو الأمريكي الصهيوني.

برزت شخصيتا وزير الخارجية ورئيس البرلمان كمثال لـ”الدبلوماسية المقاتِلة” التي لا تكتفي بالدفاع، بل تهاجم وتناور في قلب العواصم المعادية. كما برزت شخصية الدكتور حسن أحمديان كمحلل على شاشة “الجزيرة” وهو يقيم منصة أخرى للقتال ضد السردية الأمريكية والإسرائيلية وما يتماهى معها، مما يعكس ثباتا في العقيدة السياسية لا يتأثر بحجم الخروق الأمنية، وكأن الدولة الإيرانية صُمِّمت لتظل تقاتل حتى وهي تنزف من ثغراتها.

هذا التطور المدني سار جنبا إلى جنب مع بناء قاعدة صناعية عسكرية جعلت إيران في مصاف الدول المتحكمة في تكنولوجيا الطائرات المسيَّرة والصواريخ الباليستية، وصولا إلى التمكن من دورة الوقود النووي كاملة. إن هذه المفارقة تكشف عن قدرة النظام على تخصيص الموارد وتوجيه العقول الأكاديمية نحو أهداف إستراتيجية، مما خلق حالة من الاستقلال التقني جعلت اكتسابَ القوة حقيقةً واقعة لا يمكن تقييدُها أو ثنيُها عبر بوابة العقوبات الاقتصادية وحدها، لتصبح إيران نموذجا للدولة التي نهضت تكنولوجيًّا تحت وطأة الحصار.

مقالات ذات صلة