تقسيم الدولة الوطنية.. وتفجير الصراعات الإثنية!؟
يقوم دعاة القومية المتطرفون والنافخون في الطائفية المتخلفة والمهزومون أمام الهجمة الغربية بالعبث في مصير الأمة ويصبحون شركاء حقيقيين في تنفيذ الاستراتيجية الاستعمارية في بلداننا في هذه المرحلة..
بعد تشكيل الدولة القُطرية في بلاد العرب والاسلام تصدى القوميون والاسلاميون لحالة التجزئة وقاوموها بالثقافة وبمحاولة لبناء أوضاع سياسية تنظيمية تجاوزت الحدود وأبقت في الحس والوجدان ضرورة العمل من اجل الوحدة.. وانكشف الأمر مؤخرا على هزال الدولة القُطرية وعجزها عن مواجهة التحديات الداخلية او الخارجية؛ وكأن قوتها ليست اكثر من شعارات ودعاية لا تصمد كثيرا امام اي ضغط حقيقي.
من المهم استحضار ما للعلاقة بالغرب من دور في الحراك السياسي الفاعل في خريطة المنطقة.. فنحن في علاقة تناحرية مع الغرب منذ عديد القرون، وإن كان بلاط الشهداء في “بواتييه” هو بداية انكسار اندفاعنا في اوروبا فإنه كذلك بداية الهجوم المعاكس الغربي الذي لم ينته بعد، مرورا بالحروب الصليبية ومن ثم موجة الاستعمار الحديث، وتقسيم بلداننا وإسقاط القدس.. وعلى هذا الخط من الصراع احتشدت الثقافة والسياسة والسلاح والأدب والفن والأمن والتكنولوجيا..
وفي اللحظة التي تم للغرب اولى انتصاراته، اي بعد تمكن الاستعمار الحديث في السيطرة على بلاد العرب والمسلمين اصبح القرار الاستراتيجي فيه انه يمنع على الأمة الاسلامية والعرب جوهرها النهضة، ولضمانة ذلك كان لابد من توفير ثلاثة شروط، الأول: الإمعان في تفسيخها ومنعها من الوحدة، والثاني تدمير منظومات القيم الفاعلة فيها وتحويلها إلى كم غير متفاعل مع واجباته وامكانياته وغير قادر ان ينتظم في حالة اجتماعية وذلك من خلال موجات التغريب والتبعية، والثالث: منع اي بلد من بلاد العرب والمسلمين من امتلاك التكنولوجيا وسر المعدن ومناهج التطور والاستفادة من الثروات الطبيعية..
ووضع الغرب لذلك الخطط وانتشرت مراكز المتابعة والاستشراق والاستشراف وتعددت وسائل الإعلام والفكر والتوجيه في محاولة دؤوبة لصناعة نخب في بلاد العرب والمسلمين تكون هي بما اصبحت ممتلئة به من ثقافة الحاجب والحاجز المتين دون وحدة الأمة ودون تمكن قيمها ودون الاعتماد على الذات وتطويرها علميا وتكنولوجيا.. كما ان الإدارات الاستعمارية قدمت المبرر تلو المبرر لشعوبها لاستمرار النهج العدواني على العرب والمسلمين.. وأقامت الإدارات الاستعمارية اقتصادها على فرضية المواد الخام المنهوبة من بلادنا وبأسعارها البخسة والمتدفقة إلى مصانع الغرب لتحقق فائض قيمة مذهل يصرف في عجلة تطور المجتمعات الغربية وسيطرة رأس المال على مقاليد الحياة.. كما ان هناك الشق الآخر للاقتصاد الاستعماري الذي دفع بالمجتمعات العربية والاسلامية إلى نوع من الاستهلاك الهامشي في عالم الأشياء بما فيها صفقات السلاح غالي الثمن وذلك لضمان تشغيل المصانع الحربية وملحقاتها، ولنجاح هذه الخطط لابد من إنشاء المناخات الجالبة لهذا النوع من الاستهلاك.. لم يقف الحد عند ذلك، بل اتجهت الإدارات الاستعمارية إلى تدمير الأبنية التحتية الجنينية في صناعتنا وزراعتنا لتحطيم امكانية اكتفائنا الغذائي والصناعي البسيط والمتوسط.
وفي المقابل، كانت الأمة من خلال طلائعها السياسية ومحاولاتها تقترب من قراءة لإمكانياتها ولكنها كانت تتوه كلما اقتربت من اكتشاف أحد عناصر قوتها ذلك لأن اليقين لم يبلغ موقعه من القلب والعقل بأن الاستعمارالغربي يريد إنهاء وجود هذه الأمة وبعثرتها وحرمانها من التكنولوجيا والوحدة والقيم.. ورغم هزال التصور لدى صناع القرار في المنطقة العربية والاسلامية إلا أن الإشارة كانت واضحة لدى المثقف العربي بأن هناك ضمانات حقيقية لنهضة الأمة على صعيد الشروط الذاتية في عالم الإمكانيات منها النفط والمساحات والسكان واللغة الرئيسية وانتشار التعليم ومنها كذلك السودان سلة العرب الغذائية.. من هنا تولدت الخطط الاستعمارية لتحطيم الضمانات وتفتيتها وإفقاد الأمة شروطها الذاتية في عالم الأشياء..
فكانت المؤامرة على السودان أحد أهم الاستهدافات الاستعمارية الغربية لإفقاد العرب سلة غذائهم، حيث ستكون الحرب القادمة بشكل سافر حرب غذاء، كما انها حرب مياه في المنطقة.. تواصلت المؤامرة على السودان وكانت اسرائيل ـ قاعدة الغرب الاستراتيجية في المنطقة ـ هي من يشرف على العملية ويزودها بإمكانيات النجاح، وللأسف اشتركت أطراف عربية في الإقليم لتكميل الدور الاستعماري، وأحيط السودان بعواصف من كل جهة، وكان عليه أن يختار إما الموت حصارا وحربا واستنزافا أو أن يقبل بالتخلي عن الجنوب المدجج بالسلاح المعادي وبالأجهزة الأمنية الاستعمارية وبروح عدائية صنعتها الأجهزة الأمنية الاستعمارية.. وتحت ضغط نصائح الحكام العرب وتحذيراتهم وتحت ضغط التسليح الأجنبي الرهيب للانفصاليين، وتحت وطأة الحصار الخانق، حصل انفصال الجنوب عن السودان.. وللعلم، فإن وعود الغربيين برفع الحصار عن السودان لم تر الإنجاز حتى الآن.
فكانت المصيبة في السودان قومية ضربت في الصميم الأمن القومي العربي في شقه الغذائي.. وهي الضربة الاستراتيجية الأولى المعاصرة المتمثلة بتقسيم بلداننا من جديد.. وبالتوازي مع ذلك كان الهجوم على العراق لتكسيره وبعث الروح الطائفية فيه وإهدار طاقاته وبعثرة مكوناته الطائفية والقومية انتهى الآن إلى ما يشبه إقليما سنيا وآخر شيعيا وثالث كرديا.. ووجد الاستعماريون في كل فريق متكأ ومنفذين بوعي وبلا وعي.. وقد أكد ذلك رئيس أركان الجيوش الأمريكية بصراحة قبل أيام.. وما صناعة داعش في العراق الا لتكريس القسمة بالسلاح في ظل المحاصصات الطائفية في الحكومة العراقية وتفشي الفساد في الإدارات الحكومية وجنوح الطغيان الطائفي.. فأصبح العراق برسم التقسيم النهائي.. والأمر نفسه يتجلى في سوريا ولبنان واليمن وليبيا وإن اتخذ في كل بلد عنوانا خاصا.. وهكذا يتضح ان التقسيم قائم على قدم وساق في عدة بلدان عربية، ولا يؤجل بلد عن هذه الحفلة إلا لمرحلة هي آتية إليه لا محالة إن هو لم يتخذ من الإجراءات المضادة ما يكفي.. إننا إزاء تنفيذ مخطط استعماري يستهدف كل بلداننا العربية ولن يكون أحد بمنجاة منه..
في أتون هذه الهجمة يتراجع الاهتمام بفلسطين وقضيتها، فلقد تجاوزها الواقع الآن حسب تصريحات أوباما، حيث أصبح كل قطر مهموم بقضية وجوده وأمنه واستقراره أو تشظيه.. إلا أنها مع كل ذلك لاتزال تمنح الوعي بريقه وبوصلته، فهي التي تستطيع تفسير هذه الهجمة الغربية، كما أنها تدلنا بوضوح على عناصر الصمود والانتصار، ويصبح القدس بذلك هو العنوان أو البوصلة لكل محاولات الصمود والمقاومة ضد المشروع الاستعماري: الوحدة ضد التجزئة، والعلم ضد التخلف، والقيم ضد الخراب، ولهذا الحديث مساحة أخرى إن شاء الله.. تولانا الله برحمته.