-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تقسيم المقسّم من جغرافية العقل العربي

حبيب راشدين
  • 3450
  • 0
تقسيم المقسّم من جغرافية العقل العربي

بدأت أعتقد أن التقسيم الجاري لجغرافية العالم العربي ليس سوى تحصيل حاصل لتقسيم أوسع وأعمق وأخطر للعقل الجمعي لشعوب هذا الفضاء، استهدف كل مكونات هويته: الفكرية والعقائدية، واللغوية، وأنه ما كان لنا أن نقيم الدنيا ثم لا نقعدها حيال ما يُنفذ فوق الجغرافية السياسية من مسارات تقسيمية، فيما استسلمنا دون قتال لعمليات التقسيم والتفتيت والمسخ والتمزيق بأدوات ناعمة، أنفقنا عليها أكثر مما أنفقنا على خردة التسلح من أسواق الشمال غربا وشرقا، وكان حالنا معها كحال الباحث عن حتفه بظلفه.

لقد ظل بعضنا يراقب التقارير الدورية الصادرة عن منظمات أممية ومعاهد خاصة حول تطور منسوب التسلح بين العرب والكيان الصهيوني، ينتظر الجولة القادمة بعد كل هزيمة ونصف انتصار للجيوش العربية، أو لفصائل المقاومة، بينما كانت الحرب الناعمة تسبق وتواكب وتواصل حرب التدمير الشاملة، التي اختار لها العدو منذ البداية جبهة العقل والوجدان، عبر أدواته الناعمة، ولك أن تراجع منسوب مساهمة الإعلامالعربيفي تحضير الإنسان العربي لتقبّل الهزيمة حتى قبل أن تطلق الرصاصة الأولى، فكان أفضل حليف في العدوان الثلاثيني على العراق، ثم في الغزو الذي أسقط بغداد، وفي تثبيط عزائم المقاومة أو بإلحاق نسبها لـالمجاميع الإرهابية“.

غير أنه ما كان لهذا الإعلامالعربيالمتآمر على أهله لينجح، لو لم يجند له جيشا من المفكرين والإعلاميين والخبراء في كل شيء ولا شيء،  وشرائح واسعة من النخب الحديثة ومن المعمّمين، اشتغلت كحامل الماء للطواحن الإعلامية، التي فتحنا لها بيوتنا وعقولنا لتزرع فيها بذور الوهن، والشك في النفس، والريبة في كل شيء، تنقل بلا رويّة وقت السلم تقارير مضللة تصنعها الدوائر الغربية الخبيرة لقصف الذهنية العربية، وتفتيت مقوّمات المقاومة، وتضرب مَواطن الاعتزاز بالنفس، وتحرّض الإنسان العربي على التشكيك في كل شيء: في ساسته، ونخبه، وعلمائه، ورموزه الإحياء منهم والأموات.

والحال: كيف تكون نفسية هذا الإنسان العربي، وهو يطالع، ويستمع، ويشاهد تقارير دورية تصدر عن مؤسسات أممية ومعاهد ودور استخباراتية مموِّهة، تقول له: “أنت على رأس قائمة الشعوب الأكثر جهلا، الأكثر فقرا، الأقل إبداعا، الأكثر استهلاكا لما لا تنتجه، الأقل انتاجا، صاحب أعلى معدلات البطالة، الأمي، أقل شعوب العالم اقبالا على القراءة، المتذيل لقوائم شعوب ودول العالم حسب معدلات التنمية البشرية، الأول في قوائم الدول المنفِقة على التسلح، الآخر في قوائم الدول الأكثر أنفاقا على التعليم والصحة…” وعشرات من التقارير التي اختارت زورا وبهتانا أن تصنف العرب دولا وشعوبا، كما لو كانوا عارا على البشرية؟

ولأن هذه الحرب القذرة لم تأت أكلها كما أرادوا، فقد اختارت أمريكا أن تضحي بثلاثة آلاف من مواطنيها في 11 سبتمبر، لتبتكر مفردات الحرب الشاملة على العقل العربي تحت الرايات الإرهابية الكاذبة، التي تعامل اليوم المسلمين من العرب تحديدا كأمة إرهابية صرفة، ونشاهد حكوماتنا ونخبنا وإعلامنا يتنافس في توثيق التهمة، وابتكار أحداث إرهابية وهمية يداهم بها السيد، لم تعد تقتصر على المسلحين، لتطال المعارضين وكيانات سياسية ونقابية وجمعوية، صُنفت بين عشية وضحاها كمجاميع إرهابية، كما حصل لإخوان مصر، ولحماس.

المادة الأولى اليوم للمنظومة الإعلامية العالمية والعربيةمنها تحديدا، هي البثّ المباشر لأحوال العرب، وقد أصبحوا في رسائلها محضدواعشماسكين بالسكاكين، يزاولون هواية قطع الرؤوس فيما بينهم، وقد وجد الإعلام في مخلفاتالفوضى الخلاقةالتي صنعت على هامش ما سمي بـالربيع العربيمادة دسمة، وبضاعة مزجّاة، رائجة، يقصف بها العقل العربي على مدار الساعة.

وقد حُوّلت المواجهات العنيفة في سورية والعراق واليمن إلى ساحات لتصنيف العرب، في خصوماتهم البينية، بين جنسين:  ميليشياتودواعشفصار حزب الله اللبناني والعراقي، وأنصار الله اليمنيين، وعصائب الحق ومجاميع شيعية أخرى تختص بعنوانالميلشياتفيما أحيل بقية العرب من السنة إلى عنوان داعشولك أن تتابع تغطية الإعلامالعربيوالدولي للمواجهات في الساحات الثلاث، لتكتشف أن العرب قد قسموا، بالموازاة مع التقسيم الطائفي المذهبي، إلىميليشياتتأتمر بأوامر ملالي طهران، ودواعشقد ألحق نسبهم بالمال الخليجي، والتدبير الصهيو ـ أمريكي، ودين البداوةكما صنفهم الإعلامالعربيالمُوالي لملالي طهران.

طوال أربعين يوما من عمر عاصفة الحزم على اليمن ترسّخ التصنيف الجديد، الذي بدأ في العراق وسورية، بينمجاميع ميليشياوية شيعيةومجاميعداعشية سنيةوعلى مدار الساعة تتنافس القنواتالعربيةالموالية لطهران: من المنار، إلى الميادين، والعالم، والقنوات الشيعية في بلاد الرافدين، مع العربية والجزيرة ومن تبعهما بإحسان، في توصيف القتال الدائر في العراق واليمن وسورية كمواجهة مذهبية سنية شيعية بين مليشياتهي بالضرورة من العرب الشيعة، ودواعشهم بالضرورة من العرب السنة، ولم يسلم أحدٌ من القادة والمفكرين والمعمّمين من مشايخ الطائفتين من خطيئة الانسياق الأعمى إلى هذا الخطاب المضلل المدمر للعقل العربي، المخرب لدار الإسلام، وقد استنسخوه استنساخا من خليته الجذعية المصنعة في المخابر الغربية، يتعاملون معه كبنت الصدى تقول عن سماع.

والحال ليس التهديد بالتقسيم الجغرافي للفضاء العربي هو ما ينبغي أن يشغلنا اليوم، وقد خبرناه من قبل في مواجهات سابقة قبل وبعد الحقبة الاستعمارية، بقدر ما ينبغي أن ننشغل بتداعيات وتبعات هذه التقسيمات التي تغرس غرسا في العقل العربي وفي وجدانه، وأن الفوضى الخلاقة التي تُزرع بأدوات الحرب الناعمة بوسائل الإعلام، وبشراكة طوعية من نخبنا، هي أخطر علينا من فوضى السلاح التي تدمر اليوم حواضر العرب، وأنها هي الفوضى الخلاقة التي توعدتنا بها كونداليزا رايس ذات يوم من بيروت، وقد نجحت فيها الأدوات الناعمة التي حركت في عهدة أوباما أكثر من أي نجاح يكون قد تحقق لها زمن آل بوش وبأقل كلفة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • noun

    اذا اردت أن تعلق و تصول و تجول و تعلم الاساتذة الكبار ماذا يكتبون و ماذا يقولون فاذهب اولا وتعلم القراءة و الكتابة و الحروف الابجدية، ثم ابدأ التعليق على المواضيع الخاصة بالأطفال و ما الى ذلك، فهذا سقف مستواك على ما أرى.........(أعد كتابة أظنك ...و المظلم)... كما تراها أمامك الآن فالجهل ليس عيبا شرط ان نعترف به و نتعلم و بالله التوفيق.

  • noun

    الى سيد علي رقم 5، تريد من الكاتب ان يستخير و يتوب طبعا عند عتبات النار المقدسة تقربا و زلفا لكسرى، لم و لن تستفيقوا ابدا من عبادة هذا الصنم الفارسى، الغرب و الاستكبار العالمي لم و لن يكف عن محاربة الاسلام، فهم يحاربون و بشراسة قيام ادنى خلية مسلمة حقيقية في الكرة الارضية يحاربون قيام بلدية مسلمة بل وصل بهم الامر حتى الى قصف اي اسرة مسلمة حقيقية في بيتها، و تراهم يرعون الخميني الرافضي و "يقلشونه" ثم يحملونه في طائرة و يضعونه مكان الشاه الذي كان يعبدهم..... الله على دولة الخميني الاسلامية العظيمة

  • سيدعلي

    هناك اعلام مقاوم واعلام منبطح،بينهما برزخ واضنك فيه،فلعقلاءي لا يجد نفسه مع ال سلول او قطراءيل الذين باعوا انفسهم لاسيادهم البيض،وانصحك ان تستخير ما خاب من استخار،وستخرج من هذا البرزخ المضلم ،..

  • الياس

    التصنيف الجديد الذي بدأ في العراق وسورية ليس كما ذكرته في مقالك بل هو كل شخص يحمل السلاح ضد الدولة فهو ارهابي و كل من يتكلم بالطائفية و المذهبية فهو يسعى للفتنة و من خلال تتبعي لقناة المنار مند 15سنة التي أراها من اشرف و أرقى قناة عربية لم تسعى ابدا الى الطائفية بل تتعامل مع كل المكونات بنفس المبادئ و تسعى الى لم الشمل بين الجميع من سنة و شيعة و مسيحيين الخ

  • جمال

    لا إستعمار دون القابلية للإستعمار ولا تقسيم دون القابلية للتقسيم . من يعملون على تقسيم العالم العربي والإسلامي تأكدوا من أن ذلك ممكن جدا وأن بذور ذلك قائمة فعلا ويجب فقط النفخ فيها ! ما يستغله المقسمون اليوم هو اللعب على حكاية المذاهب وبالتحديد المذهبين السني والشيعي ثم بعد هذا التقسيم الكبير بين المذهبين سيلجؤون لتقسيم أكبر بين طوائف المذهب الواحد ونحن نرى أن بذور ذلك موجودة فعلا ! وأنظروا كيف أنه في سوريا نموذج للتقسيم بين طوائف المذهب الواحد .

  • مناع ـ الجزائر

    حقيقة التاريخ والجغرافية( غير ماهو مكتوب لنا باللون الأبيض) تؤكد أن الشعوب والقبائل في صراع ( وليس للتعارف ) من يوم الله الأول إلى يوم الدين ، وأن الدين أو (الديانات بصفة عامة ) هو وسيلة للركوب( كما للترهيب) لتحقيق رغبات نخبة البشر في الوصول للزعامة والقيادة ، ووسائل الاعلام الحالية ليست سوى أدوات لإيصال الأصوات .......

  • ايام الصبر

    كفيت و وفيت، شكرا أستاذ