تقسيم المقسّم من جغرافية العقل العربي
بدأت أعتقد أن التقسيم الجاري لجغرافية العالم العربي ليس سوى تحصيل حاصل لتقسيم أوسع وأعمق وأخطر للعقل الجمعي لشعوب هذا الفضاء، استهدف كل مكونات هويته: الفكرية والعقائدية، واللغوية، وأنه ما كان لنا أن نقيم الدنيا ثم لا نقعدها حيال ما يُنفذ فوق الجغرافية السياسية من مسارات تقسيمية، فيما استسلمنا دون قتال لعمليات التقسيم والتفتيت والمسخ والتمزيق بأدوات ناعمة، أنفقنا عليها أكثر مما أنفقنا على خردة التسلح من أسواق الشمال غربا وشرقا، وكان حالنا معها كحال الباحث عن حتفه بظلفه.
لقد ظل بعضنا يراقب التقارير الدورية الصادرة عن منظمات أممية ومعاهد خاصة حول تطور منسوب التسلح بين العرب والكيان الصهيوني، ينتظر الجولة القادمة بعد كل هزيمة ونصف انتصار للجيوش العربية، أو لفصائل المقاومة، بينما كانت الحرب الناعمة تسبق وتواكب وتواصل حرب التدمير الشاملة، التي اختار لها العدو منذ البداية جبهة العقل والوجدان، عبر أدواته الناعمة، ولك أن تراجع منسوب مساهمة الإعلام “العربي” في تحضير الإنسان العربي لتقبّل الهزيمة حتى قبل أن تطلق الرصاصة الأولى، فكان أفضل حليف في العدوان الثلاثيني على العراق، ثم في الغزو الذي أسقط بغداد، وفي تثبيط عزائم المقاومة أو بإلحاق نسبها لـ“المجاميع الإرهابية“.
غير أنه ما كان لهذا الإعلام “العربي” المتآمر على أهله لينجح، لو لم يجند له جيشا من المفكرين والإعلاميين والخبراء في كل شيء ولا شيء، وشرائح واسعة من النخب الحديثة ومن المعمّمين، اشتغلت كحامل الماء للطواحن الإعلامية، التي فتحنا لها بيوتنا وعقولنا لتزرع فيها بذور الوهن، والشك في النفس، والريبة في كل شيء، تنقل بلا رويّة وقت السلم تقارير مضللة تصنعها الدوائر الغربية الخبيرة لقصف الذهنية العربية، وتفتيت مقوّمات المقاومة، وتضرب مَواطن الاعتزاز بالنفس، وتحرّض الإنسان العربي على التشكيك في كل شيء: في ساسته، ونخبه، وعلمائه، ورموزه الإحياء منهم والأموات.
والحال: كيف تكون نفسية هذا الإنسان العربي، وهو يطالع، ويستمع، ويشاهد تقارير دورية تصدر عن مؤسسات أممية ومعاهد ودور استخباراتية مموِّهة، تقول له: “أنت على رأس قائمة الشعوب الأكثر جهلا، الأكثر فقرا، الأقل إبداعا، الأكثر استهلاكا لما لا تنتجه، الأقل انتاجا، صاحب أعلى معدلات البطالة، الأمي، أقل شعوب العالم اقبالا على القراءة، المتذيل لقوائم شعوب ودول العالم حسب معدلات التنمية البشرية، الأول في قوائم الدول المنفِقة على التسلح، الآخر في قوائم الدول الأكثر أنفاقا على التعليم والصحة…” وعشرات من التقارير التي اختارت زورا وبهتانا أن تصنف العرب دولا وشعوبا، كما لو كانوا عارا على البشرية؟
ولأن هذه الحرب القذرة لم تأت أكلها كما أرادوا، فقد اختارت أمريكا أن تضحي بثلاثة آلاف من مواطنيها في 11 سبتمبر، لتبتكر مفردات الحرب الشاملة على العقل العربي تحت الرايات الإرهابية الكاذبة، التي تعامل اليوم المسلمين من العرب تحديدا كأمة إرهابية صرفة، ونشاهد حكوماتنا ونخبنا وإعلامنا يتنافس في توثيق التهمة، وابتكار أحداث إرهابية وهمية يداهم بها السيد، لم تعد تقتصر على المسلحين، لتطال المعارضين وكيانات سياسية ونقابية وجمعوية، صُنفت بين عشية وضحاها كمجاميع إرهابية، كما حصل لإخوان مصر، ولحماس.
المادة الأولى اليوم للمنظومة الإعلامية العالمية و“العربية” منها تحديدا، هي البثّ المباشر لأحوال العرب، وقد أصبحوا في رسائلها محض “دواعش” ماسكين بالسكاكين، يزاولون هواية قطع الرؤوس فيما بينهم، وقد وجد الإعلام في مخلفات “الفوضى الخلاقة” التي صنعت على هامش ما سمي بـ“الربيع العربي” مادة دسمة، وبضاعة مزجّاة، رائجة، يقصف بها العقل العربي على مدار الساعة.
وقد حُوّلت المواجهات العنيفة في سورية والعراق واليمن إلى ساحات لتصنيف العرب، في خصوماتهم البينية، بين جنسين: “ميليشيات” و“دواعش” فصار حزب الله اللبناني والعراقي، وأنصار الله اليمنيين، وعصائب الحق ومجاميع شيعية أخرى تختص بعنوان “الميلشيات” فيما أحيل بقية العرب من السنة إلى عنوان “داعش” ولك أن تتابع تغطية الإعلام “العربي” والدولي للمواجهات في الساحات الثلاث، لتكتشف أن العرب قد قسموا، بالموازاة مع التقسيم الطائفي المذهبي، إلى “ميليشيات” تأتمر بأوامر ملالي طهران، و“دواعش” قد ألحق نسبهم بالمال الخليجي، والتدبير الصهيو ـ أمريكي، و“دين البداوة” كما صنفهم الإعلام “العربي” المُوالي لملالي طهران.
طوال أربعين يوما من عمر عاصفة الحزم على اليمن ترسّخ التصنيف الجديد، الذي بدأ في العراق وسورية، بين “مجاميع ميليشياوية شيعية” و“مجاميع “داعشية سنية” وعلى مدار الساعة تتنافس القنوات “العربية” الموالية لطهران: من المنار، إلى الميادين، والعالم، والقنوات الشيعية في بلاد الرافدين، مع العربية والجزيرة ومن تبعهما بإحسان، في توصيف القتال الدائر في العراق واليمن وسورية كمواجهة مذهبية سنية شيعية بين “مليشيات” هي بالضرورة من العرب الشيعة، و“دواعش” هم بالضرورة من العرب السنة، ولم يسلم أحدٌ من القادة والمفكرين والمعمّمين من مشايخ الطائفتين من خطيئة الانسياق الأعمى إلى هذا الخطاب المضلل المدمر للعقل العربي، المخرب لدار الإسلام، وقد استنسخوه استنساخا من خليته الجذعية المصنعة في المخابر الغربية، يتعاملون معه كبنت الصدى تقول عن سماع.
والحال ليس التهديد بالتقسيم الجغرافي للفضاء العربي هو ما ينبغي أن يشغلنا اليوم، وقد خبرناه من قبل في مواجهات سابقة قبل وبعد الحقبة الاستعمارية، بقدر ما ينبغي أن ننشغل بتداعيات وتبعات هذه التقسيمات التي تغرس غرسا في العقل العربي وفي وجدانه، وأن الفوضى الخلاقة التي تُزرع بأدوات الحرب الناعمة بوسائل الإعلام، وبشراكة طوعية من نخبنا، هي أخطر علينا من فوضى السلاح التي تدمر اليوم حواضر العرب، وأنها هي الفوضى الخلاقة التي توعدتنا بها كونداليزا رايس ذات يوم من بيروت، وقد نجحت فيها الأدوات الناعمة التي حركت في عهدة أوباما أكثر من أي نجاح يكون قد تحقق لها زمن آل بوش وبأقل كلفة.