الرأي

تكريم ووفاء

كان يوم السبت 7 – 3 – 2015 يوما متميزا، في مدينة قسنطينة، حيث شهد هذا اليوم تكريما لأستاذين فاضلين تعبيرا عن الوفاء لهما؛ أحدهما قضى نحبه، والآخر مايزال ينتظر وما بدّلا تبديلا، وهذان الأستاذان الكريمان هما من غرس الإمام ابن باديس والحركة الوطنية الحضارية، التي أنشأها هو وصحبه الكرام من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هذه الجمعية المباركة التي لم نقرأ، ولم نسمع، ولم نر أن التاريخ سجل على عضو من أعضائها خيانة للوطن، أو ركونا وموالاة للعدو الفرنسي. وقد كان الإمام العربي التبسي، نائب الإمام الإبراهيمي يقول: “إننا سنحمل عداوة فرنسا في قلوبنا إلى قبورنا”.

لقد جرت وقائع ذلك التكريم الذي جرى تحت إشراف الدكتور عبد الرزاق ڤسوم، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبحضور ثلة من أعضائها الأولين وثلة من الآخرين، وذلك بدعوة كريمة من شعبة جمعية العلماء بقسنطينة.

وكان مكان التكريم يحمل ما يحمل من رموز ومعان، فهي قاعة الإمام العالم العامل عبد الحميد ابن باديس في جامعة المجاهد الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية.

ولهذين الرمزين ما لهما من قيمة علمية، وتدين صحيح، ووطنية صادقة، حيث لم يقعدا مع القاعدين، ولم يتخلفا مع الخوالف، فندعو اللهعز وجلأن يكرمهما، ويرضى عنهما، ويقعدهما في مقعد الصدق.

أما الأستاذان اللذان كرما فها الدكتور أحمد الرفاعي الشرفي، الذي أتاه اليقين منذ سنة ونيف، ولم يبدل ولم يتغير وإذا كنت لم أحتك به كثيرا، ولم أعمل معه فقد كانت مساءلة الإخوان تخبرني عنه أطيب الخبر، وقد تخرجت على يديه أجيال من العلماء، والأساتذة، والدعاة، كما ترك كتبا كثيرة تهدي إلى الرشد، وتنشر المبادئ القيمة، والأفكار الحية، والمثل السامية، وتدل على الخير، وعلى الوحدة الوطنية، وكثيرا ما تصدى بلسانه وقلمه لجنود إبليس من دعاة الضلال، والزيغ، وعملاء فرنسا الذين يريدون ويعملون لكي تبقى الجزائر تابعة لفرنسا في لسانها وقيمها واقتصادها.

وأما الأستاذ الآخر فهو المجاهد مصطفى بوغابة، شفاه الله وأطال عمره، ويكفيه شرفا أنه من تلاميذ مدرسة التربية والتعليم التي أنشأها الإمام ابن باديس.

وعندما أذن مؤذن الجهاد للقضاء على الاستعمار الفرنسي كان الأستاذ بوغابة من أوائل الملبين للنداء، وكان صحبة الشيخ ابراهيم مزهودي وغيره من الذين عملوا على إلحاق طلبة معهد ابن باديس بالجهاد. (أنظر كتاب: إسهام شيوخ معهد عبد الحميد بن باديس وطلابه في الثورة التحريرية، للدكتور عبد الله مقلاتي).

لقد سعدت بالعمل مع الأستاذ مصطفى بوغابة حولين كاملين في مسجد باريس، تحت قيادة ذلك القمقام الشيخ العباس بن الحسين، وممن كان معنا المجاهد الأمين الأستاذ بمعهد ابن باديس عبد الرحمن بن غمراني، الذي لم أعلم بوفاته إلا مؤخرا.. فرحم الله الجميع، وجزاهما خير الجزاء، وأطال أعمال الأحياء.

إننا نشهد بما سمعنا وبما علمنا أن الأستاذين الفاضلين نصحا لله، ولكتابه، ولرسوله، وللعامة والخاصة من المسلمين فيما عُهد لهما به، ولم تزغ عيونهما، ولم يمدّا أيديهما لما ليس لهما فيه حق، كما فعل كثير منمحتكري الوطنيةومدّعيهاالذين عاثوا في الجزائر فسادا، وإذا قيل لهم لا تفسدوا فيها، توقّحوا، وقالوا: “إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون“. ويكفي دليلا  على فسادهم وإفسادهم حال الجزائر.

وشكرا للأوفياء الذين يعملون على إحياء تاريخ جمعية العلماء ورجالها، تخليصا للجزائر من هذا الضلال في الدين، والانحراف في الفكر، والفساد في التربية، والسفاهة في الاقتصاد.

مقالات ذات صلة