تلاميذ أم فئران تجارب؟
على مرّ سنوات عديدة، وتلاميذ مدارسنا يئنّون تحت وطأة مختبرات وزارة التربية، وكأنهم فئران تجارب، تتجدد نحوهم التجارب كلما تجدد تعاقب الوزراء عليهم، وفي كل مرة تنعقد ندوة أو مؤتمر بخصوصهم تظهر شناعة هذه التجارب أكثر فأكثر، فمنذ أن استولى أبو بكر بن بوزيد على مبنى محمد بوجعطيط لمدة تقارب 16 سنة، إلى غاية حقبة نورية بن غبريط، مروراً بعهدة بابا أحمد، ومنظومة التربية تتخبط في ”دهاليس مختبرات التشريح” الشنعاء، والتي تتم على واقع توصياتهم وإشرافهم، وعلى امتداد تعاقب عهداتهم دائماً ما كانوا هؤلاء الوزراء يبتعدون عن نهج أساتذتهم ومعلّمهم كالشريف بلقاسم، وأحمد طالب الإبراهيمي، وزهور ونيسي وغيرهم من الثلة الذين قادوا ترسانة التربية والتعليم في تلك الفترة، على أساس ” إصلاح المدرسة” بأصولها الثابتة، وليس على هشاشة ”إصلاح المدرسة البوزيدية” أو “الغبريطية”.
وما الندوة الوطنية الأخيرة، التي انعقدت يومي 25 و26 جويلية بقصر الأمم، والذي افتتحها رئيس الحكومة، بنبراته الساخرة، على ضحكات وزيرة التربية المتمايلة، إلا دليلاً على ذلك، هذه الندوة التي انبثقت أصلا من أجل تقييم وإصلاح المدرسة، جاءت مرة أخرى لترجع إلى نقطة الصفر، وتتكيف من جديد مع المعايير الدولية بـ 36 أسبوعاً دراسة، مع الرجوع لسياسة المداولات في البكالوريا إزاء العودة للعمل بالإنقاذ، ناهيك عن ابتداع قوانين جديدة كإلغاء العمل بموضوعين اختياريين وهو النمط الممنهج قديماً في الامتحانات الرسمية، مع زيادة اختبار شفهي في اللغات، وأمور أخرى يطول شرحها.
من الجميل أن تنعقد ندوات ومؤتمرات جدية، تحمل طابع الموضوعية والاحترافية ما بين الفينة والأخرى، حيث تتغير فيه الأمور الشكلية، والمتغيرات الطارئة، لكن أن تقوم كل وزارة جديدة بإصلاح جذري عمّا قامت به الوزارة القديمة، وتبديل ما تم تحسينه من قبل، ويتكرر ذلك في كل مرة، فهذا ما نسميه العبث بعينه، وهذا ما حوّل التلاميذ فعلاً، إلى فئران تجارب على يد دخلاء التربية الذين باتوا كجراحين مبتدئين يقومون بعمليات جراحية على حيوانات أليفة لا حول ولا قوة لها، إلا أنها تحت رحمة هؤلاء الجزارين لعلهم يجدون علاجاً لمن سيأتي بعدهم، أو على الأقل كسماسرة العلاج بالمسكنات الذين يقدمون أدوية ليعالجوا بها مرضاً معينا ًويسببون بها أعراضاً أخرى أكثر خطورة.
حسناً، من الغريب أن يتحدث بعض مسؤولي الندوة عن التجربة الألمانية بطريقتهم الذاتية، ألا يعلم هؤلاء أن الندوات تنعقد في هذه الدولة لمعالجة مشاكل 10 سنوات قادمة أو 5 سنوات على أقل تقدير، بما في ذلك نزاعات النقابات، والأحوال الاجتماعية، وأجور المعلمين وغير ذلك من المشاكل الشائكة في هذا القطاع؟ إلى متى سنستمر في حل الأزمات الكبيرة بطريقة آنية، لنجتمع قبل شهر من الدخول المدرسي ونعالج مشاكل يتطلب منا سنوات لحلها، ثم نعيد تغيير كل شيء في نفس السنة الدراسية بانعقاد ندوات تعيد تهديم كل شيء قبلها بسبب الرؤية المحدودة للوزارة الوصية؟ بالله عليكم هل يمكن حل مشاكل تراجع نتائج 10 ولايات بالجنوب في يوم واحد، حجم هذه المدن مجتمعة تمثل 4 أضعاف مساحة ألمانيا، مع صعوبة مناخها وتباعد مرافقها المعيشية بما في ذلك التعليمية والتربوية؟ حتى الأربعة أيام المزمع تنظيمها في ملتقى جهوي بولاية الأغواط للوصول إلى “حلول نهائية” كما تدعي الوزارة، فإنه غير ممكن.
مع الأسف، لا نزال نعيش في بلد منظومته التربوية تقام على مسارحها ندوات ذات رؤية محدودة، مصبوغة بحلول مؤقتة، لتجري في الأخير تجارب على فلذات أكبادها وكأنهم فئران تجارب، اعتقاداً منها أن هذه التجارب تقربها أكثر لتحسين الأوضاع التعليمة، وهي عكس ذلك تماماً.
* مؤلف وكاتب جزائري