تلاوة القرآن ولعبة “الدومينو” لتذوّق الحرية داخل السجن
لحظات قبيل آذان المغرب اقتربنا من نزيلات المؤسسة العقابية بالحراش، واللاتي يقدّر عددهن بـ 143 نزيلة موزّعات على 4 زنزانات، لمشاركتهن الأجواء الرمضانية، حيث كانت بعض النزيلات منهمكات بتلاوة القرآن الكريم أو الاستمتاع بقراءة قصة في انتظار أن تحضر مائدة، ميزتها أنها حضّرها الرجال، وهذا ما يشعرهن أكثر بأنهن حرمن الحرية، في الوقت الذي تشتكي فيه المتحرّرات من أعباء المطبخ!
ولم تكن الحالات التي التقينا بها في المؤسسة العقابية للحراش لتجعلنا نخرج دون أن تنفطر قلوبنا للأسباب التي أدخلتهن السجن، ونحن ندفع عن أنفسنا احتمال أن ما شاهدناه ما هو إلا الوجه الشرس للأيادي الناعمة، والذي لا يظهر إلا تحت ضغوطات المجتمع.
ما إن دخلنا الزنزانة حتى وجدنا مجموعة من النسوة التففن حول لعبة “الدومينو” ينتظرن بها موعد الإفطار، ومن بينهن “ن” التي تعتبر أسوأ النزيلات بتلك الزنزانة حظا، فهي محكوم عليها بالمؤبد بعد ارتكابها جريمة قتل، فسجينات يلعبن وأخريات يتفرّجن عليهن، وهناك من يشاهدن مسلسل “ليلة عيد” على القناة التي كانت تبث إلا اللائي اخترن الانطواء على أنفسهن.
ونحن نشقّ رواق الزنزانة لفت انتباهنا وجود فتاة تبدو عليها حداثة السن، كانت مستغرقة في التفكير بعيدا، استأذنا “و” للحديث معها فأخبرتنا أنها محكوم عليها بثلاثة أشهر حبسا نافذا، لم يبق لها منها إلا 12 يوما، ودخلت السجن بتهمة حمل السلاح الأبيض، الذي كانت تنوي به إيذاء شخص ما، انتهت عن حكاية التفاصيل بالقول “قصة طويلة”.
“و” التي لم يتجاوز سنها 20 سنة، تزورها والدتها كل أسبوع مع شقيقاتها، وإن بدا عليها التلعثم ونحن نسألها عن تأهبها لمواجهة المجتمع بعد الخروج، إلا أنها ذكرت “أخطأت ويجب أن أتحمل تبعات خطئي”.
أما “ن” البالغة من العمر 38 سنة، فقد استقطعناها وهي تقرأ كتاب الله العزيز الحكيم، ففرحت كثيرا لرؤيتنا وبدت مستأنسة للحديث معنا، معبّرة عن فرحتها بتعلم الخياطة والرسم على الحرير والطبخ وصنع الحلويات في فترة سنة ونصف سنة التي قضتها من عقوبة تدوم ثلاث سنوات، بتهمة اعتذرت لنا عن ذكرها. ولا يزور “ن” إلا والدها الذي حرص على عدم تركها منذ سجنها.
وغير بعيد عنها، كانت “س” مستلقية على سريرها، وهي في نهاية عقدها الثالث، قضت بالسجن خمسة أشهر في عقوبة تدوم سنة بتهمة الضرب والجرح العمدي. وقصة “س” كانت بمثابة المأساة المحيّرة التي لا يتوقعها شخص، فمن رفعت ضدّها الدعوى القضائية ما هي إلا والدتها، التي سبق لها وأن اتهمتها بارتكاب الفاحشة مع زوجها، أي والدها، ولم تكتف بذلك فقد عكّرت صفو حياتها مع زوجها الثاني، بعد أن تسببت في طلاقها من الأول.
وتضيف “س” التي روت لنا حكايتها بجمل تشرّبت بدموعها المنهمرة على وجنتيها “منذ كنت أدرس وهي معي في شجار مستمر لم تتركن أنهي دراستي ودفعت بي للعمل وكانت تأخذ كل راتبي لفائدتها، ولم ترحمني بعد زواجي لتنغّص علي عيشتي، أيعقل أن تتهم أم ابنتها بالخيانة مع أبيها وهي متزوّجة!”، تأسفنا لـ”س” أن أعدنا عليها ماضيا تتمنى نسيانه وإن كانت ستلتقي بأبطاله بعد سبعة أشهر.
ولدى مغادرتنا للزنزانة استوقفتنا “ر” تسألنا عن العفو الرئاسي بمناسبة عيد الفطر المبارك، وتريد الاطمئنان على نفسها للخروج في أقرب وقت من هناك، خاصة وأن سجنها أنصف ظالمها أكثر مما أدانها هي، فعقوبتها سنة ونصف سنة بتهمة السرقة، فجنحتها أخذ هاتف نقال من بيت الرجل الذي كانت تعمل عنده للتنظيف، لأنه امتنع عن تسديد راتبها النصف شهري، وكان أن زجّ بها في السجن.
فتاة أخرى وجدناها تستمتع بالألعاب الفكرية لإحدى الجرائد الفرنسية، لم تمانع حديثنا إليها، ووصفت لنا الأجواء الرمضانية داخل السجن بالكارثية بكل المقاييس، معبّرة عن افتقادها لكل شيء ولأبسط الأشياء، تتواجد بالسجن منذ 14 شهرا، وحكم عليها بعقوبة ثلاث سنوات بتهمة السرقة، حيث سرقت سيارة ولم تستطع رواية القصة لطولها وتشابكها.
ولم يسعنا الوقت للاستماع إلى كل من “ر” و”أ” النيجيريتين، والمحكوم عليهما بعشرين سنة بتهمة المتاجرة بالمخدرات، وإن روت لنا بعض النزيلات أنهن تمكن في مكوثهن هناك من تعلم اللغة العربية ويتحدّثن كما لو كانت من مواليد القصبة!
انطلقنا من تلك الزنزانة إلى الأمهات في عيادتهن، حيث تضم حجرتهن 8 أمهات مع أبنائهن الذين هم دون سن الثالثة وهي السن التي لا يسمح بعدها للصغير أن يبقى داخل المؤسسة العقابية ويوجّه إما لأسرة السجينة أو إلى مصالح الحماية الاجتماعية.
“ص” تمكث بالسجن منذ ثلاث سنوات وولدت طفلها منذ سنتين، وقد اقتيدت للحبس المؤقت بتهمة حيازة المخدّرات ولم تحاكم إلى يومنا هذا، وتقول إنها تسكن بفرنسا، وأصولها تونسية، وضبطت لديها تلك الكمية أثناء نزولها للالتقاء مع خطيبها للتحضير لزفافها فكان ما كان، إلا أن عون السجن أخبرنا أنها متهمة بالمشاركة في شبكة دولية للمتاجرة في المخدرات.
وذكّرتنا قصة السيدة “س” ببطل رائعة البؤساء جون فالجان الذي زجّ به في السجن بسبب خبز سرقه ليسد به رمقه، كذلك الحال معها، فقد صدر في حقها حكم بقضاء عامين سجنا نافذا قضت منها 10 أشهر، وكانت غريمتها صاحبة البيت الذي كانت تستأجره، فطردتها بعد انقضاء مدة الكراء في ليل شتاء بارد، ولما كانت السيدة حاملا ولم يكن لها أغراض، حملت بطانيتين من أغراض صاحبة المنزل وباتت بهما في الشارع، وكان مصيرها السجن، حتى أنها أجابتنا عن سبب سجنها وهي تضحك، ملتفتة إلى ابنتها التي بلغت من العمر ستة أشهر.
ولم تكن القائمتان على جناح النزيلات إلا بمثابة السجينات، بالقيام بكل الإجراءات الخاصة بدخولهن وخروجهن، والسهر على تقديم الخدمات اللازمة، فهن مقيّدات تحت سماء الحرية بخدمة نزيلات السجن يتحملن مسؤولية أي خطإ يحدث، بينما بقية السجينات ما هن إلا متحرّرات تحت سقف المؤسسة العقابية التي سيأتي يوما ما ويغادرنها.
رفع قيمة الوجبات من 80 دج إلى 150 دج في شهر رمضان
ذكر مدير المؤسسة العقابية بالحراش السيد محمد بوذريع أنه تم تحسين الوجبات المقدمة للنزلاء في شهر رمضان، إذ ارتفعت قيمتها من 80دج إلى 150 دج، مصرّحا أن المؤسسة تسجل يوميا من 400 إلى 450 زيارة شهر رمضان، ويسمح لأهاليهم باصطحاب قفة إضافية تحسبا لهذا الشهر.
وتضم المؤسسة 3400 نزيل، في حين أن طاقتها الاستيعابية لا تتعدى 1800 مكان، وأغلب الموجودين هناك متهمون، إذ يقدر عدد المحكوم عليهم بـ1200 نزيل.