-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أحدهما إمام تراويح والثاني مشتغل بكتاب الله

تلميذان من البويرة يطلقان منصة تربوية رائدة

فاطمة عكوش
  • 316
  • 0
تلميذان من البويرة يطلقان منصة تربوية رائدة
ح.م

في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم في مختلف المجالات، أصبح من الضروري إدماج التكنولوجيا الحديثة في قطاع التربية والتعليم، لما لها من دور فعال في تحسين جودة التعليم وتسهيل التواصل بين مختلف الفاعلين في المنظومة التربوية. برزت ضمن هذا السياق، مبادرة شبابية طموحة لتلميذين من ولاية البويرة يدرسان بثانوية تواتي أعمر ببلدية معالة.
يتعلق الأمر بالنابغة عجو عبد الرحيم وزميله مصطفاي محمد، تمثلت في تطوير منصة رقمية متكاملة خاصة بالثانوية التي يدرسان بها، أطلقا عليها اسم “فضاء ثانوية تواتي أعمر الرقمي”، وهو نظام تقني متكامل يجمع بين “هندسة البرمجة” و”احترافية التصميم”، ليضع مؤسسة التربوية في طليعة المؤسسات المرقمنة وطنيا.
ويرمي هذا الإنجاز، إلى رقمنة الخدمات التربوية والإدارية وتجاوز العوائق الجغرافية والتنظيمية التي تعاني منها ثانوية تواتي اعمر التي تنتمي إلى منطقة ذات طابع جبلي، حيث يواجه التلاميذ وأولياؤهم صعوبات يومية في التنقل والوصول إلى المؤسسة، خاصة في ظل نقص وسائل النقل وبعد المسافات، هذا الواقع الجغرافي انعكس بشكل مباشر على جودة التواصل بين الإدارة والأولياء، حيث أصبح من الصعب على العديد منهم متابعة المسار الدراسي لأبنائهم بشكل منتظم، كما أن النظام التقليدي القائم على الوثائق الورقية لم يعد كافيًا لمواكبة متطلبات العصر، حيث يتسبب في بطء معالجة الطلبات، وضياع الوقت، وصعوبة إيصال المعلومات في الوقت المناسب.

من هنا جائت الفكرة
ومن هنا، بدأت تتشكل فكرة المشروع، التي وُصفت في بدايتها بأنها مجرد “وهم” أو حلم بسيط، لكنها في الحقيقة كانت استجابة ذكية لحاجة حقيقية داخل الوسط التربوي، وانطلقت الفكرة من ملاحظة بسيطة لكنها عميقة، حيث أن الأولياء لا يستطيعون متابعة أبنائهم، ناهيك عن مصاعب أخرى، منها أن هناك تلاميذ يضيعون دروسًا بسبب الغياب، والإدارة مثقلة بالطلبات الورقية، مع ضعف في إيصال المعلومة خارج أسوار المؤسسة التربوية.
هذه التحديات اليومية دفعت صاحبي المشروع إلى التفكير في حل رقمي يختصر المسافات، ويوفر الوقت، ويضمن وصول المعلومة بشكل فوري وآمن، ورغم أن الفكرة بدت في البداية صعبة التحقيق، خاصة في ظل الإمكانيات المحدودة، إلا أنها تحولت تدريجيًا إلى مشروع حقيقي بفضل الإصرار والعمل المستمر، حيث تم تصميم المنصة لتكون نظامًا متكاملًا يضم أربعة فضاءات رئيسية، منها فضاء المدير، يعد مركز التحكم الرئيسي، حيث يوفر لوحة تحكم تعرض إحصائيات دقيقة حول عدد المستخدمين ونشاطهم، إدارة شاملة للحسابات، معالجة طلبات الأولياء (غيابات، تأخرات، شهادات…)، إصدار الوثائق الرسمية رقميًا، نظام رسائل للتواصل المباشر، لوحة إعلانات لنشر الأخبار والمستجدات، فضاء الأستاذ يوفر بيئة تعليمية رقمية متكاملة، إنشاء أقسام افتراضية، إضافة التلاميذ عبر رموز دخول، نشر الدروس والمحتوى، التفاعل مع التلاميذ عبر التعليقات، نظام مراسلة فورية، فضاء التلميذ يمنح التلميذ دورًا فعالًا في العملية التعليمية الانضمام للأقسام، متابعة الدروس في أي وقت، التفاعل مع المحتوى،التواصل مع الأساتذة.

أولياء يراقبون سلوك أبنائهم… رقميا!
كما تحتوي المنصة على فضاء ولي التلميذ الذي يعتبر حلقة وصل أساسية يتم خلاله متابعة النتائج والسلوك، تبرير الغيابات عن بعد طلب الوثائق دون التنقل، الاطلاع على كل ما يخص الابن بشكل مستمر، والجوانب التقنية والأمنية، حيث تم تطوير المنصة وفق نموذج مع التركيز على حماية الحسابات عبر نظام مشفر، عدم الاعتماد على معلومات شخصية حساسة، إنشاء الحسابات من طرف الإدارة فقط، ضمان سلامة البيانات، أما من حيث التصميم، فقد تم اعتماد واجهات عصرية، بسيطة، وسهلة الاستخدام، تراعي جميع الفئات، وقد واجه المشروع صعوبات والتحديات أبرزها نقص العتاد، غياب التمويل، تكاليف الاستضافة، وقواعد البيانات، بالإضافة إلى ضيق الوقت بسبب الدراسة، وضعف التغطية والبيئة التقنية في المنطقة، وصعوبة التعريف بالمشروع وإيصاله للمسؤولين، ورغم هذه الظروف، واصل الفريق العمل بإمكانيات بسيطة وإرادة قوية، ورغم غياب الدعم المادي، تلقى المشروع دعمًا معنويًا مهمًا من طرف الأساتذة، وعلى رأسهم الأستاذة تقر أسمة، مدير الثانوية السيد حنطوط أحسن، رئيس بلدية معالة والأمانة العامة، رئيس دائرة الأخضرية، رجال الدرك الوطني، والحماية المدنية، وكان لهذا التحفيز دور كبير في استمرار المشروع، ويشار هما إلى أن التلميذين، حظيا مؤخرا بتكريم رئيس دائرة الأخضرية ورئيس بلدية معالة.
وجرى بمناسبة يوم العلم 16 أفريل عرض المشروع خلال حفل تكريم التلاميذ والأساتذة، بحضور رئيس بلدية معالة وعدد من مديري المؤسسات التربوية، حيث تم تقديم المنصة بشكل رسمي، وقد لقي المشروع استحسانًا كبيرًا، مما ساهم في التعريف به ومنح الفريق دفعة قوية لمواصلة العمل والتطوير، ويهدف المشروع إلى تحسين التواصل، تمكين الأولياء من المتابعة، رقمنة الخدمات، تقليص الفجوة الجغرافية، تحسين جودة التعليم، ويحتاج إلى دعم الدولة من أجل تطوير المشروع تقنيًا، تعميمه على المستوى الوطني، توفير تمويل، احتضان المشروع ضمن برامج الابتكار، ومن بين الأفاق المستقبلية، تطوير تطبيقات هاتفية، إضافة نظام إشعارات، إدماج اختبارات رقمية، توسيع المنصة لتشمل مؤسسات أخرى.

محمد وعبد الرحيم… مواهب ومهارات متعدّدة
ويعد المشروع ثمرة تعاون بين تلميذين جمعتهما الصداقة منذ الصغر، حيث نشأ عجو عبد الرحيم ومصطفاي محمد في نفس البيئة، وتقاسما نفس الاهتمامات والطموحات، خاصة في مجال التكنولوجيا وعلوم الحاسوب، فمنذ سن مبكرة، لا تتجاوز الثامنة، بدأ شغفهما بعالم التقنية والاكتشاف، حيث كانا يسعيان دائمًا لفهم كيفية عمل الأجهزة والبرمجيات وتطوير مهاراتهما بشكل ذاتي ومستمر.
يدرس التلميذان حاليًا في السنة الثانية ثانوي شعبة علوم تجريبية، في نفس القسم، ويُعرفان بتفوقهما الدراسي وانضباطهما، إضافة إلى تمتعهما بأخلاق عالية وسلوك مميز داخل الوسط المدرسي، كما ينحدر كلاهما من أسرتين بسيطتين ومتوسطتي الحال، حيث كان الاعتماد الأساسي على الجهد الشخصي والاجتهاد الذاتي في التعلم والتطور، دون توفر إمكانيات كبيرة، وهو ما جعل شغفهما بالتعلم والابتكار أقوى وأكثر إصرارًا على النجاح رغم الظروف.
يتميز مصطفاي محمد بشخصية متوازنة تجمع بين التفوق العلمي والالتزام الديني، حيث يؤم الناس في الصلوات الخمس متى أتيح له ذلك، وكذا في صلاة التراويح، كما يُشرف على تعليم الأطفال القرآن الكريم، وهو حافظ لكتاب الله (خاتم القرآن الكريم)، وطالب علم شرعي، وحقق مراتب متقدمة في عدة مسابقات قرآنية على مستوى ولاية البويرة، إلى جانب ذلك، يتمتع بنشاط رياضي، خاصة في رياضة العدو الريفي، ما يعكس توازنًا بين الجانب البدني والفكري، أما في الجانب التقني، فهو مختص في التصميم )حيث يمتلك خبرة في تصميم الواجهات البصرية للتطبيقات والمواقع، ويعمل على تقديم تجربة مستخدم عصرية وسلسة).
أما عجو عبد الرحيم، فهو مبرمج شغوف بعالم تطوير البرمجيات، يتمتع بخبرة تفوق سبع سنوات في مجال علوم الحاسوب، اكتسبها من خلال التعلم الذاتي والتجارب المستمرة. يحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، ويُعرف بحبه الكبير للتكنولوجيا وسعيه الدائم لتطوير مهاراته، بتخصص عبد الرحيم في برمجة تطبيقات الويب.
يشكل التلميذان نموذجًا مميزًا للتكامل، حيث يجمع المشروع بين قوة البرمجة ودقة التصميم، وهو ما ساهم في إخراج منصة رقمية متكاملة تجمع بين الأداء التقني والتجربة البصرية المتميزة، إن هذه المسيرة التي بدأت منذ الطفولة، المبنية على الشغف والاجتهاد والأخلاق، تؤكد أن الإصرار والموهبة قادران على تجاوز كل الظروف، وصناعة إنجازات حقيقية رغم الإمكانيات المتواضعة، وهذا في انتظار تكريمها من طرف وزير التربية الوطنية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!