تنمية الذكاء العاطفي للتلاميذ من أجل مسار دراسي ناجح
بعد عطلة مدرسية طويلة، يعود التلاميذ إلى مقاعد الدراسة في غضون أيام قليلة، وهو أمر يتطلب استعدادا وتغييرا للعادات التي اكتسبها هؤلاء خلال 4 أشهر تقريبا وهو أمر ليس هينا، ويستوجب الانطلاق فيه من الآن، حسب ما يؤكده مختصون في علم النفس العيادي وخبراء في مجال التربية.
ولأن جميع الأولياء يرغبون في رفع التحصيل الدراسي لأبنائهم، فإن المختصين النفسانيين يولون أهمية بالغة لتنمية الذكاء العاطفي على حساب الذكاء الأكاديمي، الذي يرفع الثقة في النفس ويعزّز العملية التربوية، الإيجابية، بعيدا عن أساليب الضغط والهوس بالبرنامج الدراسي.
وفي هذا السّياق، أكد الدكتور عبد الحليم فول، المختص في علم النفس العيادي، في تصريح لـ”الشروق”، استقبال حالات عديدة لأولياء رفقة أبنائهم المتمدرسين يرغبون في حلول من أجل تحصيل دراسي أفضل ومرافقة ناجعة لأبنائهم.
الدكتور فول: “أول دخول مدرسي مهم في بناء الثقة والصحة النفسية”
وأوّل ما ينصح به المختص الأولياء عدم الضغط على الأبناء المتمدرسين من الناحية النفسية والعاطفية، فمعظم الحالات التي استقبلها على مستوى عيادته بسبب تخوف الأهل من الدخول المدرسي وكيف يجب أن تكون المرافقة، خاصة بالنسبة لتلاميذ الأقسام النهائية في الطور المتوسط والثانوي.
وركّز الدكتور فول على زرع الثقة في نفس الطفل أكثر من الاهتمام بالتحصيل والدعم والدروس الخصوصية.
الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الأكاديمي
وتطرّق المختص، في هذا السياق، إلى دراسة المفكر والباحث دانيال غولمان الذي قال بأن الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الأكاديمي، بمعنى أن الإنسان الذي يستطيع أن يتحكم في عواطفه والخوف والقلق ولديه تقدير عال للذات ويحب نفسه بدون شروط، لديه حظوظ أكبر في النجاح، غير أنّ معظم الناجحين ليسوا ممن يمتلكون الذكاء الأكاديمي، وإنما الناجحون هم من يمتلكون الذكاء العاطفي.
ولفت الانتباه إلى أنّ الكثير من الأشخاص، بمجرد دخولهم إلى الامتحان، تظهر عليهم أعراض القيء وانتفاخ الوجنتين ودقات القلب المتسارعة والرعشة وضيق التنفس وتشتت الأفكار، لكن بالمقابل، آخرون يستطيعون اجتياز كامل المراحل رغم أن تحصيلهم متوسط، لأنهم يمتلكون ذكاء عاطفيا يسمح لهم بالتحكم في الغضب والقلق ويعزّزون الثقة في النفس.
وشبّه المختص في علم النفس العيادي العملية التربوية “بالنفق المظلم بمعنى أنني عندما لا أجيد مهارة ما، في نهاية النفق أجيدها وهذا النفق هو العملية التربوية، ففي وسط النفق، ينتاب الشخص خوف من الفشل وعدم القدرة على الوصول، لكن إذا كان لا يملك قوة عاطفية ونفسية للوصول، فإنه يعود مباشرة إلى بداية النفق ويفضّل البقاء في منطقة راحة وأمن بدل الخوف والظلام ومجاهدة النفس والدخول في تحدّيات قد لا يقدر عليها”.
وقال فول: “معظم الأولياء يدمرون أبناءهم، وأستقبل تلاميذ نجباء مع أوليائهم بمعدلات عالية، لكنهم منهارين نفسيا مما يجعلنا نكتشف أمراض الموهوبين الذين يضغط عليهم آباؤهم، فيدمرونهم ويجعلونهم أشبه بالآلة”.
ويرى المتحدث، أنّ “الانطلاق بالعمل بفلسفة تنمية الذكاء العاطفي في بداية العام ستبني طفلا سويا متوازنا وناجحا، وهذا ما سيساهم في التحصيل الدراسي العالي”.
21 يوما لتغيير العادات المكتسبة في العطلة الصيفية
ويحتاج الطفل، حسب الدكتور فول، بين 21 وحتى 40 يوما حسب علماء النفس، من أجل اكتساب عادات جديدة ويعتبر هؤلاء الفترة التي تسبق الدخول المدرسي أفضل فترة لتجهيز الطفل للدخول المدرسي، فتصحيح العادات المكتسبة في العطلة الصيفية يبدأ من الآن، حيث نحاول تعديل ساعات النوم بشكل باكر ومراجعة التغذية التي قد نتهاون فيها صيفا، فالعادات الجيّدة للنجاح الأكاديمي ترتكز على ثلاثية الأكل الصحي وشرب الماء وممارسة الرياضة ومعظم الأولياء يتهاونون فيها.
ويعتبر المختص التحضير النفسي أهم من التحضير السلوكي بتنمية الذكاء العاطفي على حساب الذكاء الأكاديمي، وتجنّب الضغط الدراسي مقابل تنمية الشخصية.
واستشهد المتحدث بحديث الرسول، عليه الصلاة والسلام، الذي قال “إنّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى”، ويُضرب لمن يبالغ في طلب الشيء ويُفْرِط حتَّى، ربَّما، يفوِّته على نفسه.
أول يوم في الدخول المدرسي مهم جدا للصحة النفسية
ويؤكد المختص في علم النفس العيادي، أنّ أول يوم في الدخول المدرسي مهم جدا للصحة النفسية، فمن بين الأسئلة التي تطرح على بعض الأشخاص المرضى الذين يقصدون العيادة هو دخولهم المدرسي الأول كيف كان وهل بكى الشخص أو تعرض لصدمة، وهو ما يدل على تعلقه بالأم إذا كان مرضيا أو طبيعيا ويكشف عن عدم وجود ثقة في النفس وعدم وجود نضج نفسي. وإذا شعر الطفل في أول يوم دراسي أنه فاشل، فمن الصعب تغيير هذه النظرة، فالثقة تبنى من أول يوم و”من كانت بدايته بثقة، كانت نهايته مشرقة”.
ودعا الدكتور الأولياء إلى الاهتمام بأول يوم دخول للمدرسة والاحتفال به مثلما كنّا في السابق من أجل تعزيز الثقة ورسم الصورة الإيجابية والجميلة عن المدرسة والمعلم، لأن الطفل قبل 12 عاما يتمتع بخيال واسع جدا أكبر من الحقيقة، فخيال الطفل يغذي مخاوفه، “لذلك، نحاول قدر المستطاع عدم تقديم أي معلومة سلبية عن المدرسة ولو مزاحا، وبالمقابل، نحاول ربط المدرسة ذهنيا وخياليا عند الطفل بالإبداع والراحة النفسية والطيبة”.
ومن جملة ما أوصى به المتحدث محاولة الأم الانفصال عن الطفل تدريجيا أياما قبل الدخول وتدريبه على كونه كيانا مستقلا يحب نفسه بدون شروط، وتجنّب التعلّق المرضي بأي شخص، فأي مهارة نريد تقديمها للأبناء يجب أن ندربهم عليها وأن نعتمد الأسلوب التدريجي في ذلك.
ويتم تدريب الفرد في علم النفس على المهارات الجديدة إمّا بالغمر وإما بالتدريج، بعد تحديد مخاوفه من 0-10 “ونحاول تعويده على بيئة المدرسة بتوفيرها في البيت من خلال نماذج معينة، كأن يرتدي المئزر والمحفظة ويجلس على طاولة أمامها سبورة”.
واقترح المختص على الأمهات اصطحاب أبنائهم إلى المدرسة للتعرف على المحيط، سواء أثناء التسجيلات أو استلام كشوف النقاط وبناء خيال إيجابي واسع.
وثمّن الدكتور فول الأساليب الجديدة والنماذج التي يتعامل بها معظم المعلمين والأساتذة الشباب، الذين يتوفرون على أساليب إبداعية رائعة.