الرأي

توسعة المضايق البحرية على الخلائق

ما يحدث في مضيق جبل طارق في عدوته الدنيا سبتة ومليلية المغربيتين ابتداء لا يختلف عما يحدث في مضيق هرمز وباب المندب، وإن كان النبأ الذي أتى من بلاد المغرب أتى بطعم مختلف. ستنتهي هذه النفرة التي سقط فيها شهداء “مجانا” وستعود سبتة إلى وضعها السابق من دون أن يتغير أي شيء.

على قادة المملكة المغربية أن يطلقوا العنان لشعبهم كيما يصحح هذا الوضع الخاطئ الذي ران على هذا الثغر دهرا، ولا يجب أن يتركوه بلا ظهير وهو ماض إلى الهيجاء بغير سلاح، وليأخذ المغاربة العبرة مما يحدث من صحوة واعية لدى إخوانهم المشارقة في المضايق البحرية الأخرى.

بغضِّ النظر عن الدوافع وراء إعلان الحوثيين عن نيتهم فرض رسوم على الملاحة في باب المندب، فلقد بدأت آثار ذلك التصريح تتوالى سواء بالنسبة لمن يستخدم هذا الممر أو لمن يحاذيه؛ لأن مجرد التفكير في هذا الأمر فقط يوحي بعودة الروح إلى أمتنا بعد سبات طويل استغل فيه الغرب إمكاناتها الحيوية لمصالحه الخاصة، وخسرت أمتنا خلاله خيرات كثيرة كان من الممكن أن تقوِّي عضدها وتُخرجها من أزمات وأزمات، فما بالك إذا طبِّق هذا الإجراء فعليا في الميدان، مع وجوب أن يراعى في التنفيذ حق كل مسلم في العبور من باب المندب ومن مضيق هرمز أيضا بأمن وسلام.

كانت المضايق البحرية بالأمس القريب بيد المسلمين لما كانت للمسلمين وحدة وشوكة، وكانت دول الفرنجة تسمي المسيطرين عليها “القراصنة”. إن المضايق كلها ستعود في يوم ما إلى أهلها كما كانت، إنهم يرون ذلك بعيدا ونراه قريبا إن شاء الله تعالى.

تحالفٌ دولي لحماية المملكة العربية السعودية من الهجمات وآخر لحماية الملاحة في البحر الأحمر وثالث لحماية العروش من التداعي ربما… وكلها نداءات تدل على ضعف دول الخليج عن فعل شيء مجدي، رغم الحضور الدائم للقواعد الأجنبية على أراضيها، وتوافد غير مسبوق للجيوش الأمريكية بحماها، التي اتخذت من المياه المحيطة بجزيرة العرب تحصينات لها من ضربات الجمهورية الإسلامية وحلفائها، فأي منفعة جلبها الغزاة إلى هذه البلاد وإلى أنفسهم أيضا؟

وأيا يكن الحال، فإن استغاثات دول الخليج المتكررة للعالم كي ينجدها مما هي فيه يؤكد المؤكد، وهو أن هذه الدول لم تستطع أن تبني منظومة دفاع فاعلة تقيها من الاعتداءات ولو كانت بحجم مسيّرات، وأن ما لديها من رزق وفير يدرُّه عليها ريع لا ينضب لم يُستغل كما يجب في إقامة دول منيعة، فأين كانت تصرف تلك الأموال إذن؟ إيران أكثر نسمة وأقل ريعا، وتعاني من العقوبات والحصار سنين عددا، لا تزال صامدة تقاوم، بل إنها توجِّه ضربات مؤلمة للغزاة، وتربح في كل يوم أوراقا قوية في هذه الحرب، فما العامل الذي صنع الفارق بين الفئتين يا ترى؟

إنه الإسلام! الإسلام حينما يحكم ويهدي الربان في ظلمات البر والبحر؛ لأن الخليجيين الذين يحكمون دولهم بأيدي من حديد،لم يلتفتوا ولو لمرة واحدة بصدق إلى قيمة ما يملكون، وحتى هذا اليوم لا أراهم فاعلين. أما الفرسُ فلقد أدركوا سر القوة مبكرين، وفعّلوا في السياسة ما يعتقدون من مذهب ودين، فأقاموا دولة لم تسقط بسقوط المؤسسين، ولم تُهزم هزيمة الفنزويليين، ولم تعطِ عطاء المستضعفين.

فقل لي بربك كيف سينتهي هذا الصراع على المضايق: أبالحسم أم بالحوار؟ إن الأول منهما مستبعد وكلفته باهظة الثمن، لأنه قد يؤدي إلى سقوط أنظمة سياسية لا تخطر على البال، كما حدث للبعث في سورية على حين غرّة لم تتوقعها حليفتاه روسيا وإيران وما أدراك ما هما، أو قد يؤدي التكالب نحو الحسم إلى حرب عالمية حقيقية. بيد أن الحوار أفضل للجميع، أو لنقل إن الصلح بين دول الشرق المسلمة خير وأنفع، بشرط وحيد لا ثاني له، أن تندحر الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عن بلادنا اندحارا تاما، كيما تبقى العلاقة بين دول العالم علاقة احترام متبادل، وعلاقة تعاون اقتصادي متكامل، وخلاف ذلك لا يعدو أن يكون خيالا في خيال.

لا يمكن للولايات المتحدة والكيان الصهيوني ولا لحلفائهما في المنطقة أن يفعلوا أكثر مما فعلوه أو يجنوا مما فعلوا أكثر مما جنوه. ولإيران خياراتٌ بديلة تستطيع من خلالها الاستمرار في الحرب بنفَس أطول ممن تحاربهم وبخسائر تعادل خسائر دول المنطقة. كلمة السر في بحر قزوين، حيث الرئة البديلة التي تتنفس منها الجمهورية الإسلامية، والحديقة الخلفية المنيعة التي يجتمع فيها تحالف الشرق الصاعد.

إن تصريحات النواب الأمريكيين المناهضين لنظرائهم الترامبيين يمكن أن تتخذ مؤشرا على واقع القوات الأمريكية في منطقتنا. لقد تم سابقا تسريب معاناة الجنود الأمريكيين والحديث عن رغبتهم في مغادرة جحيم العراق وأفغانستان، وكان قادة البيت الأبيض والبنتاغون ينكرون ذلك ويتستَّرون عليه حتى فاضت الكأس وجرى الانسحاب الذليل على مشهد من العالم ومرآه. وسيحدث مثل ذلك لهذه القوات الغازية اليوم ولو طال الزمن. وإنه لمن مصلحة الأمة أن تطول هذه الحرب لتتآكل المطرقة والسندان معا وينهار كل شيء بإذن لله.

بلدانُنا بحاجة إلى قيادات صلبة وصادقة تطهِّر المشرق الإسلامي كله من آثامه ويجري اللهُ على أيديها النصر المنشود، ولن يكون هؤلاء القادة إلا من الطراز الأول الذي وصفه المولى عز وجل في كتابه العزيز بقوله: “فإذا جاء وعدُ أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا”.

تداعيات معركة طوفان الأقصى لا تزال تتوالى والأهم منها لم يظهر بعد. لقد قتلت فرنسا خمسة وأربعين ألف جزائري في أيام معدودة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945م طالبوها بأن تفي بوعدها لهم بالاستقلال بعدما شاركوها في القتال ضد النازية. وانتهت المجازر على ضيم تفجّر ثورة تحريرية بعد تسع سنوات من تلكم الأحداث، ثورة قدَّم فيها الشعب الجزائري مليونا ونصفه خلال حرب استمرت أزيد من سبع سنوات.

فلو أن معركة طوفان الأقصى لم تحقق إلا شرخا لا يرمَّم في كيان المحتل، وعزلا للصهاينة بين الدول، ووسَّعت نطاق الحرب لتشمل المضايق، وبثَّت روح الاستعداد في الأمة للمواجهة الفاصلة، ولم تُكسر فيها شوكة المقاومة عند أهلنا في غزة، لكفتها.

كيف سينتهي هذا الصراع على المضايق: أبالحسم أم بالحوار؟ إن الأول منهما مستبعد وكلفته باهظة الثمن، لأنه قد يؤدي إلى سقوط أنظمة سياسية لا تخطر على البال، كما حدث للبعث في سورية على حين غرّة لم تتوقعها حليفتاه روسيا وإيران، أو قد يؤدي التكالب نحو الحسم إلى حرب عالمية حقيقية. بيد أن الحوار أفضل للجميع، أو لنقل إن الصلح بين دول الشرق المسلمة خير وأنفع، بشرط وحيد لا ثاني له، أن تندحر الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عن بلادنا اندحارا تاما.

مقالات ذات صلة