-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

توضيحات إضافية حول الازدواجية اللغوية في الجزائر

جمال لعبيدي
  • 79
  • 0
توضيحات إضافية حول الازدواجية اللغوية في الجزائر
ح.م
تعبيرية

 أثار مقالي الصادر يوم الخميس 19 سبتمبر (1) ردود فعل بشأن التأكيد، الذي كان عنوان المقال بالمناسبة، أنه “لا توجد أمة متعددة اللغات”. وهذا يستحق بالتالي  توضيحات إضافية.

سارع البعض للقول: “بلى! هناك أمم متعددة اللغات. والدليل الهند وروسيا وسويسرا وبلجيكا إلخ”. باختصار الأمثلة المعتادة. إلا أن الأمر هنا يتعلق بدول فدرالية أو متعددة القوميات، تجمع قوميات لكل منها لغتها. فلا ينبغي الخلط بين الدولة والأمة. وباعتبارها دولاً متعددة القوميات، فإن قاعدة “لغة واحدة لكل أمة أو قومية” تظل قائمة وتتأكد. وهناك أيضاً حالة اللغات الجهوية، لكنها حالة أخرى.

من روسيا والهند إلى كندا

تتأكد في الوقت نفسه قاعدة أخرى، وهي أنه يجب أيضاً ودائماً وجود لغة كهمزة وصل، بما في ذلك في حالة الدولة المتعددة القوميات أو الفدرالية. في روسيا، هي الروسية. في الهند، كان الحل هو عدم فرض الهندية. وهي لغة الأغلبية لكنها لا تمثل سوى 41% من السكان ولذلك استُخدمت الإنجليزية (لكن إلى متى؟) كهمزة وصل بين جميع القوميات، لكونها اللغة الدولية بامتياز – خلافا للغات الاستعمار الأخرى – وتوفر قيمة مضافة معتبرة.

ملاحظات سوسيولوجية حول الازدواجية اللغوية في الجزائر!

يعاد النظر في اللغة الاستعمارية حتماً بمجرد أن تفقد قيمتها وتتهاوى مكانتها الدولية. وهذا ما يرجح حدوثه في الجزائر بخصوص اللغة الفرنسية، فضلاً عن عوامل أخرى.

أما المملكة المتحدة كما يدل اسمها هي مجموعة أمم، والإنجليزية هي التي تعمل كهمزة وصل بينها،، بقدر ما يفعل العرش الملكي تماما. لكن هناك احتكاكات و توترات دائمة قد تؤدي إلى انفصال الأمم المكونة لها.

في سويسرا، كانت الفرنسية لفترة طويلة همزة الوصل. لكن الإنجليزية تستخدم الآن أكثر فأكثر  كلغة تسوية، لتجاوز (هنا أيضاً إلى متى؟) الصراعات اللغوية المزمنة. وهذه تتازايد لأنها تعبر عن تفاوتات في التنمية بين الأجزاء الأساسية، الناطقة بالألمانية والناطقة بالفرنسية، على حساب الأخير. وهناك أيضاً الإيطالية لكنها أقلية جداً. النخب الناطقة بالألمانية في سويسرا باتت تتحدث جهارا أكثر فأكثر بالألمانية الفصحى، وليس بالألمانية السويسرية، لإظهار اختلافها وهويتها. وهي تقترب أكثر فأكثر من ألمانيا. وبالمثل، في بلجيكا، أصبحت هيمنة الفرنسية موضع تساؤل متزايد، لأن الجزء الفلامكي أكثر ديناميكية اقتصادياً. في كل هذه البلدان، يُطبق مبدأ الإقليمية على اللغة: اللغة الرسمية هي لغة الإقليم الذي تهيمن فيه.

في كندا، الدولة الفدرالية بامتياز ، تسخدم الإنجليزية بشكل متزايد كلغة تواصل موحدة لكن مع صراعات لغوية دائمة تهدد بشكل مزمن بدفع البلاد نحو التقسيم. في كل هذه البلدان، تجدر الإشارة إلى أن ازدهار الغرب وهيمنته الاقتصادية العامة، وبالتالي ازدهارها هي، هو ما منع دائماً الصراعات من الوصول إلى الانفصال. ماذا سيكون الحال إذا كانت هذه الدول، وأوروبا بشكل عام، تشهد تراجعاً في تفوقها ومكانتها المتميزة – وهو أمر حتمي مع تطور العالم؟.

برج بابل

هناك انزلاق دلالي تعسفي يتمثل في الخلط بين الفرد والمجتمع، وبين التعددية اللغوية الفردية (شخص متعدد اللغات) والتعددية اللغوية المجتمعية. فهذه الأخيرة تظل بناءً فكرياً لأغراض سياسية أو أيديولوجية، لكنها في الواقع غير موجودة في أي مكان. وهكذا يُخلَطُ بين اللغة كممارسة فردية (تعلُّم عدة لغات) واللغةِ بوصفها وظيفةً اجتماعية.

الأمة لا “تتكلم” لغة، بل لديها لغة كأحد عناصر عملها الاجتماعي، وبنيتها الفوقية، كما يقول اللغويون الاجتماعيون، وكحلقة ربط مع الأجزاء الأخرى من النظام الاجتماعي: النظام التعليمي، النظام الاقتصادي إلخ… الأمة تنقل لغتها إلى جميع الأفراد الذين ينتمون إليها، وذلك بفضل بنى أخرى لإعادة الإنتاج الاجتماعي (المدرسة، الأسرة إلخ). وهي تُشَرِّكُهم اجتماعياً أولاً عبر اللغة وبذلك تدوم. الأمة هي، لنقل، للتبسيط، شخصية معنوية، كما يقال عن شركة، ومؤسسة في اللغة القانونية. واللغات تحمل غالباً اسم أمتها الأصلية: الإنجليزية، الفرنسية، الصينية إلخ… أو اسم إقليمها الأصلي.

الثورة الوطنية الجزائرية والمسألة اللغوية

لا توجد إذن أمة متعددة اللغات. لنُذكِّر بالسرد الأسطوري لبرج بابل. إنه يشرح بشكل رمزي أن لكل أمة لغتها، وأنها الفوضى إذا تحدث الجميع في الوقت نفسه بلغتهم.

حتى على الإنترنت، هناك لغة مشتركة، لغة تواصل. تُسمى بروتوكولاً ( أنترنيت بروتوكول للويب ، بروتوكول المراسلة إلخ) حتى تتمكن “الشبكة” العالمية من العمل. الحواسيب أيضاً ليس بينها سوى لغة واحدة، اللغة الرقمية، اللغة الثنائية، 0 و1، وإلا لما أمكنها العمل.

الفرنسية كهمزة وصل

في العديد من الدول الأفريقية، أقامت الاستعمارية حدوداً لا علاقة لها بتطورها التاريخي الوطني الطبيعي. لذلك كانت الفرنسية هي التي خدمت كهمزة وصل بين قوميات مختلفة، بل قبائل، في انتظار تطورات أخرى سوف تشكل سيرورة توطيد الأمة نفسها. في “أفريقيا الناطقة بالإنجليزية” هي الإنجليزية.

وقد اتسخدمت الفرنسية أيضاً كهمزة وصل في الجزائر، وفي المغرب الكبير عموما، أساساً بين نخب، جنباً إلى جنب مع العربية، أو حلت محلها خاصة في الوظائف السيادية (الإدارة، الجيش، الشرطة إلخ…) التي لا غنى عنها للهيمنة الاستعمارية. وقد استخدمت ولا تزال تستخدم بين بلدان أفريقيا الفرنكوفونية. إنها إذن دائماً القاعدة نفسها: لغة واحدة كهمزة وصل.

هذه “القاعدة” إذن وُجدت خلال الفترة الاستعمارية. ويمكنها أن تستمر في الوجود هنا وهناك، في مجتمعات ما بعد الاستعمار، بدرجات متفاوتة، ووفقاً للظروف وتاريخها وخصوصياتها.هذا راجع إلى واقع الهيمنة الاستعمارية بل وشبه الاستعمارية. أولئك الذين يتحججون بأن الفرنسية كانت همزة الوصل هذه، لإدامة هذا الدور، في الجزائر، يعملون بالتالي على تمديد وضعً استعماريً..

 لكن المقارنة بين الجزائر وبلدان، مثل الهند، أو بلدان أفريقية، حافظت على اللغة الاستعمارية كهمزة وصل ، ليست وجيهة، إذ أن حفاظ هذه البلدان على اللغة الاستعمارية سببه عدم توفر لديها لغة – همزة وصل أخرى ولا حل آخر. الجزائر، والمغرب الكبير، لديها. وذلك منذ 13 قرناً. إنها إذن معطى تاريخي، معطى موضوعي، لا مفر منه. اللغة العربية، مثل اللغة الأمازيغية، لا تتوقف على خيار، خيار أيديولوجية عروبية أو إسلامية، أو أمازيغية، ولا أكثر على قرار أو خيار سياسي، كلاهما واقع قائم بذاته.

هل هو موتُ الفرنسية في الجزائر؟

القول إذن الشيء نفسه عن الفرنسية، أنها “جزء من تاريخنا”، هو انزلاق دلالي. الفرنسية جزء من ماضينا، لا من تاريخنا. تاريخنا، هو ليس تاريخ أي سرد مشترك أو “ذاكرة مشتركة” مع الاستعمار الفرنسي. هذا هو السبب العميق الذي جعل محاولات إنشاء لجنة مختلطة جزائرية-فرنسية “تاريخ وذاكرة” تفشل. البلدان ليس لديهما الذاكرة نفسها. التاريخ المشترك غير موجود. تاريخنا هو تاريخ المقاومة للاستعمار، بما في ذلك مقاومة هيمنة اللغة الفرنسية، كأحد الأسلحة التي استخدمتها، إلى جانب الأسلحة الأخرى، العسكرية والاقتصادية والاجتماعية (الاستعمار الاستيطاني)، لتحطيم مقاومة الشعب الجزائري. كانت المقاومة أيضاً ثقافية، وبالتالي لغوية. عانت كل من العربية والأمازيغية من الهيمنة الاستعمارية التي أرغمتهما على الركود. كانت هذه المقاومة الثقافية أحد خمائر القومية، وأحد عواملها الذاتية الأساسية، إلى جانب العوامل الأخرى: الدين، النضال ضد نزع الملكية، إلخ… وكل هذه العوامل تتشابك بعضها مع بعض.

الفرنسية، لغة بالافتراض

كانت العربية تاريخياً اللغة المشترك، الوسيطة للجزائر، لغة التواصل والتداول في الجزائر، هزمة الوصل خاصة بين الأغلبية الناطقة بالعربية والأقلية الناطقة بالأمازيغية. في المناطق التي حافظت على التراث الوطني الأمازيغي وحمته بعناية، وبقيت بالتالي ناطقة بالأمازيغية في غالبيتها، كانت اللغة العربية حاضرة في الوقت نفسه خاصة كلغة فصحى. حدث هذا بشكل طبيعي على مر القرون، ليس مفروضاً بالقوة، بل على الأرجح بعوامل مختلفة: الدين، عوامل اقتصادية، تجارية إلخ.

الجزائر، مثل المغرب وتونس وموريتانيا بالمناسبة، ليس لها إذن تشكيلة أمة متعددة اللغات تاريخياً، حيث كانت ستُجمع في حدود مشتركة ومصطنعة أمم مختلفة.

مع التحرير، لم نعد إلى هذا الوضع التاريخي حيث كانت العربية تخدم كهمزة وصل. قلب الاستعمار في كل مكان البنى العميقة للجزائر والمغرب الكبير، كما يوهن زلزال أسس بناء. خلال الاستعمار، حلت الفرنسية جزئياً محل العربية كلغة وسيطة، في بعض المناطق وبعض المدن الكبرى، لا سيما الموانئ الكبرى التي تركز فيها السكان المستعمرون.

بعد الاستقلال، استمرت الفرنسية جزئياً في خدمة دور همزة وصل و  التواصل ، خاصة بين جزء من النخب الجزائرية الناطقة بالعربية أو  بالأمازيغية. “التعريب”، سيئ التسمية لأنه كان ببساطة العودة إلى وضع متجذر تاريخياً، كما يعود الوادي إلى مجراه، جاء إذن ليعيد النظر في همزة الوصل تلك. و لتسترجع العربية هذا الدور الذي استولت عليه الفرنسية لتكوين “غنيمة حربها”.

تمثل العادات طبيعة ثانية حتى لو كانت استعمارية .لم يكن “التعريب” إلا أن يُطلق أزمة عبرت عن نفسها بأشكال مختلفة: أحزاب ناطقة بالعربية، أحزاب ناطقة بالأمازيغية، أحزاب ناطقة بالفرنسية، أو مزيج متنوع من الثلاثة، خصومات لغوية، صراعات حول المدرسة، الادارة، المؤسسات إلخ.

بعبارة أخرى، كانت الفرنسية قد شكلت موضوعياً، ويمكن القول، بالافتراض، تعويضيا، همزة وصل.  داخل مثلاً الأحزاب القومية، كان القادة من أصل أمازيغي أو عربي يتواصلون بالفرنسية. فإن إعادة النظر في وظيفة الفرنسية هذه، يُفجر أزمات تستلزم تعديلات تاريخية جديدة، ستعتمد على متانة الروابط الوطنية، والرغبة في العيش معاً. من بين هذه التعديلات، يمكن القول إن “التعريب”، أدى، في نوع من تصويب الميزان، إلى تحفيز الشعور بالهوية الأمازيغية ذاتها.

إنه رد فعل إيجابي في الواقع ، تنفس هوياتي شامل حيث يريد المطلب باللغة الأمازيغية الآن هو أيضاً أن يؤخذ في الاعتبار، إلى جانب العربية، في هذا التحرر الشامل من الوصاية الفرنسية. وكل هذا يحدث أيضاً داخل تطور عالمي حيث، في كل مكان هنا و هناك ، استيقظت الخصوصيات والهويات وعبرت عن نفسها بقوة.

إذا كان هذا المطلب يُعبَّر عنه، غالباً بالفرنسية، فذلك ببساطة لأنها اللغة الفصحى، المشتركة لجزء من النخب التي قادت أو أثّرت على الحركة الهوياتية الأمازيغية .وعليه، خاطئ وخطير بشكل خاص، أن نرى فيه “مؤامرة فرنسية-بربرية” وحسب كما لا يرى آخرون في التعريب سوى مؤامرة قومية عربية.

مفارقة

بشكل مفارق، تركت الفرنسية نوعاً من الفراغ لم يُملأ بالسرعة التي كان ينبغي أن يُملأ بها. أولئك الذين يدافعون عن استمرارها ليسوا بالضرورة “الحزب الفرنسي” أو أشخاصاً ذوي نوايا سيئة، أو الذين يجعلون من الفرنسية تجارتهم. دفاعاً عنهم، كثيرون لا يرون كيف يستبدلونها لأنه لم يكن لها بالضبط بديل في الوقت المناسب، بالإيقاع الذي كان ينبغي.

إن غياب اللغة العربية، على الأقل جزئياً، أو تأخرها في لعب دورها بالكامل، هو ما خلق هذا التيار الجاذب نحو الفرنسية كلغة وسيطة ، نفعية، حتى استولت على وعي جزء من النخب الفرنكوفونية التي تحملها، وتعيشها أو تعيش منها. الاستنتاج الذي يجب استخلاصه ليس إذن أنه يجب أن تكون هناك لغات وطنية أقل، بل على العكس، أكثر، وفي جميع قطاعات الحياة الوطنية، لملء كل الفراغات الموجودة بعد.

ترك الاستعمار إذن وضعاً ملغّماً، بغض النظر عن إرادة أو صدق كل واحد. من مفارقاته وسخرية التاريخ، أنه  أصبح ملجأً بلغته. إنه يخلط الأوراق. عندما يتقدَّم كل معارضة للغة العربية بالفرنسية، وعندما تُقدَّم المطالب الأمازيغية أيضاً بالفرنسية، يؤدي ذلك إلى انقسامات زائفة بل وإلى تيار معادٍ للأمازيغية لدى بعض النخب الناطقة بالعربية، حيث يُشبَّه المطلب الأمازيغي بالدفاع عن الفرنسية. وبالمثل، عندما يُعبَّر عن كل معارضة للأمازيغية بالعربية، كيف لبعضهم، ممن أعمتهم العاطفة الهوياتية، ألا يربط أحدهما بالآخر. أوضاع خطيرة إن وُجدت، تفسر الحساسية المفرطة للسلطة بشأن هذه المسائل، وتعطي في الوقت نفسه مقياساً لضرورة جعل حل المسألة اللغوية أولوية سياسية.

عندما انسحب الاستعمار تارك البلاد في خراب مثل لغاتها الوطنية، العربية والأمازيغية على حد سواء، كان الشعور الوطني، كان الجبهة المشتركة للجميع، الناطقين بالأمازيغية، الناطقين بالعربية، الفرنكوفونيين، جميعاً قوميين ووطنيين، هي التي خدمت كهمزة وصل. يمكنها أن تستمر في ذلك في المستقبل من أجل حل متناغم وعادل للمسألة اللغوية. هذه الجبهة هي التي سمحت بنيل النصر، فيجب ببساطة إعادة تشكيلها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!