تَبلور التحالفات الدولية: أي موقف نَتخذ في القِمّة؟
تتصرّف الدولُ الكبرى اليوم كمجموعاتٍ متحالفة.. أصغر الدول في الحلف الأطلسي مثل الجبل الأسود، أو استونيا أو أيسلندا… تجد نفسها تشعر بالأمان مادامت تنتمي إلى مجموعة قوية. ولعل من الأسباب الرئيسة للحرب في أوكرانيا اليوم أن روسيا ضاقت ذرعا بهذا التحالف الكبير للدول المحيطة بها بقيادة الولايات المتحدة. وكانت ستجد نفسها محاصَرة من جميع الاتجاهات غربا، لو تم ضمُّ أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي. ولذلك استبقت الخطوة الأمريكية الأخيرة قبل فوات الأوان. الشيء ذاته بالنسبة للصين، التي -وإن بَدَت محايدة- فإنها ضمنيا في حلف مع روسيا باعتبار أن كل إضعافٍ لهذه الأخيرة سيجعلها منكشفة من الجهتين الغربية والشمالية أمام الحلف الأطلسي.
ولم تترك استراليا، في أقصى جنوب شرقي الكرة الأرضية، نفسها بعيدة عن التحالفات. لقد كانت في كل مرة تُشارك في العمليات العسكرية إلى جانب الحلف الأطلسي وخاصّة في العراق وأفغانستان، دون الحديث عن الكيان الصهيوني الذي يحافظ على الدور ذاته في كافة التدخلات.
أما بقية دول العالم فهي خارج هذه اللعبة، أو ضحيَّة من ضحاياها، بما في ذلك دول الخليج الغنيَّة. ولعل هذا ما أصبح يدفع اليوم إلى ضرورة مراجعة مسألة ما يُعرَف بجدوى التحالفات العسكرية والاقتصادية لاسيما وقد تأكد اليوم أن العالم لا يتجه مستقبلا إلى أن يُصبِح كتلة واحدة أو تَحكمه قوة واحدة، بل العكس هو الصحيح.
ستكون للحرب في أوكرانيا تداعياتٌ كبرى على صعيد التحالفات الدولية. ولا يُستبعد أن تتّجه كلٌّ من الصين وروسيا إلى تعزيز منظمة شنغهاي ذات الطبيعة الاقتصادية والأمنية (تأسَّست في 2001) لتتحوَّل إلى حلفٍ عسكري صريح. وإذا ما حدث ذلك، فإنَّ قرابة نصف البشرية سيتكتّل في حلفٍ دفاعي مواز للحلف الأطلسي، ليجد كل مَن بقي دون مجموعة تحميه غيرَ قادرٍ على حماية نفسه، تتقاذفه الصراعات العالمية الكبرى في كل الاتجاهات.
لذا، أصبح لزاما علينا اليوم، ولم يعد ترفا سياسيا ولا أمنيا أبدا، ضرورة التفكير في موقف لنا بين كبرى التكتلات العالمية. هل نبقى من دون عنوان، بلا حليف قريب أو بعيد؟ هل نُجَدِّد السعي في طريق الحياد الإيجابي كما قام بذلك قادة الشعوب الإفريقية الآسيوية في منتصف القرن الماضي وخاصة الرؤساء عبد الناصر وتيتو ونهرو؟ هل نسعى إلى تقارب بيني مَحلِّيٍّ مع جيراننا وكيف؟ هل نجعل من القمة العربية القادمة بداية لإحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك وكيف؟ هل نسعى إلى تحالفات ثنائية مع القوى الأساسية في إفريقيا وآسيا وكيف؟ هل نعيد إحياء الاتحاد المغاربي لنجد في نطاقه حلاًّ لقضية الصحراء الغربية وكيف؟
من دون شك، هذه ليست بالأسئلة الهيِّنة في هذا الوقت بالذات، ونحن نرى التبدُّل السريع للتحالفات على المستوى العالمي وكيف عادت الولايات المتحدة فجأة إلى أوروبا بعد أن تَوجَّهت شرقا نحو استراليا بالاتفاق مع انجلترا فيما عُرِف بصفقة الغواصات النووية، بل كيف راجعت ألمانيا عقيدتها العسكرية فجأة وسطَّرت لنفسها برنامجا للتسلُّح.
إننا، إذن، على عتبة مرحلة ينبغي أن نُحسن فيها الاختيار، حتى لا نجد أنفسنا لقمة سائغة يلتهمها الأقوياء كيفما أرادوا، أو فاقدين تماما للقدرة على الخيار الاستراتيجي، تتقاذفنا الدول المتحالفة، حيث شاءت، نخسر مع الخاسرين ولا نربح مع الرابحين… والبداية تكون بلا شك بالشروع في رأب الصدع ونبذ الخلافات في محيطنا القريب المغاربي والعربي، وبعدها يكون لكل حَادث حديث… ولِمَ لا تُعقَد القمة العربية القادمة في الجزائر في الفاتح من نوفمبر 2022 تحت شعار: قمة رأب الصدع لأجل تقارب أوسع؟