الرأي

تُهم التسجيل لتسجيل التُّهم

عمار يزلي
  • 730
  • 0
أرشيف

هل وصلنا إلى مرحلة الانسداد في التعبير إلى حد وصلنا فيه إلى التشهير بالتصوير والنشر والتدوير، والجهر بالمنكر وبالفجور كذريعة لمحاربة الفساد؟ هل إن ما حدث مع مير عين الماء مبرر إعلاميا وأخلاقيا في حالة ما إذا جزمنا بأن الفساد الأخلاقي لم يعد ممكنا محاربته وفضحه إلا عبر هذه الوسائل ولو غير الأخلاقية؟
هناك أوجه كثيرة يمكن أن تناقش في هذا الأمر، لكن دعونا نكن واقعيين، والواقع يفعله الإنسان ويغيره الإنسان.
لما منعنا التصوير، حفاظا على خصوصيات الأفراد، ألم يُستعمل هذا المنع في فعل الممنوعات؟ لو ركبنا كاميرات في كل الأماكن من مكاتب وشركات ومؤسسات تتعامل مع المواطنين، هل كان سيلجأ أي كان إلى فعل التصوير الممنوع؟ لقد حصّنّا “الإضارات” والمسؤولين بمنع التصوير الذي سن بحسن نية لكنه استغل لسوء نوايا، هل كان مير راس الماء أو غيره من أصحاب فظائع الفضائح يجرؤ على فعلته المشينة؟ على الأقل في مكتب مسؤول عمومي؟ كان “سيخشى الكاميرا” من فوقه أكثر من خشيته من الله. كان يقول لمن يعرض عليه التشيبا والكاميرا فوقه تصور: اتق الله، إن الله فوقنا يرانا.. أعوذ بالله.. إني أخاف الله رب العالمين.. انظر إلى السماء..
طبعا هذا لا يعني نهاية الفساد، لأن ما يحدث خارج المكاتب أمعن وألعن، وأنه لا يمكن أن نضع لكل إنسان رقيبا مادام لا يخشى رقابة الله. لكن على الأقل ما كان هذا ليحدث في أماكن عمومية يجب أن تحمى بهذه الكاميرات.. تحمي المواطن وتحمي المسؤول والموظف أيضا، لأن هناك من اعتدى من المواطنين على موظفين كما حدث في عدة ولايات، في البليدة مثلا التي بدأ واليها يفكر في تنصيب كاميرات مراقبة لحماية الموظفين. هكذا يبدو الأمر. لأن هذا التفكير جاء بعد اعتداء على موظفين وليس قبله، بمعنى، أن الكاميرات جاءت لحماية الموظف قبل المواطن، دون أن نتساءل ما الذي دفع هذا المواطن إلى الاعتداء على هذا الموظف؟ وقد كثرت الاعتداءات من هذا النوع، وحتى إن كثيرا من القضايا رفعت ضد مواطنين كثر بدعاوى الاعتداء على موظف دولة أثناء تأدية مهامه، دون أن ندقق في ما إذا كان هذا الموظف أدى مهمته أم آذى مهنته.
قبل أشهر، طرح رأي في البرلمان يطالب بالسماح بالتصوير لمحاربة الفساد، إلا أن هذا المقترح قوبل بالرفض من طرف المشرع لأسباب نفهمها وإن كنا لا نتفهمها. فمن جهة يمنع التصوير ويعاقب عليه القانون، ومن جهة أخرى، أنت مطالب بالإثبات بالدليل المادي أنك تعرضت للابتزاز أو الرشوة أو ما شابه، وأنك معرض أنت البريء الضحية لتصبح متهما بالقذف والكذب وتضليل العدالة وما شابه ذلك، لأنك لا تملك دليلا ماديا لأنك ممنوع من أن يكون لك دليل مادي.. هذا التناقض في القانون هو ما يبرر بطريقة غير أخلاقية اللجوء إلى الطرق الملتوية التي هي التشهير في وسائط الاتصال. إذن نحن أمام قانون يجب أن يعدل: السماح بما لا يمس بسمعة وكرامة الفرد، وجوازه في حق الحق العام. فهناك فرق بين أن تنشر فيديو لمواطن عادي مصور سرا في بيته أو مع نفسه، وبين أن تصور موظفا وإطارا ومسؤولا متلبسا بجريمة رشوة أو جريمة أخلاقية. هكذا يكون من حق المواطن أن يحمي نفسه من استغلال السلطة ونفوذ ذوي النقود والنفوذ دون أن يخشى من شوك القنفود.

مقالات ذات صلة