ثرثرات France 24
واضح أن فرنسا الرسمية مرعوبة أو قل هي تظهر منذ 7 يناير 2015 رعبا غير مسبوق، ولا شك أن مسلسل الجرائم الذي نفذه مواطنون فرنسيون على أرض وطنهم يولّد الرعب وينتج الخوف الشديد.
لكن اللافت هو أن الحكومة الفرنسية أظهرت رعبا يكاد يفوق الرعب الذي أبدته الحكومة الأمريكية إثر جريمة 11 . 9 . 2001 ثم تبين للبشرية أن ذلك الرعب الأمريكي كان جزءا من استراتيجية الغزو الأمريكي لمنابع الثروة في العالم، النفط والمخدرات، فتورطت أمريكا وورطت معها الديموقراطية التي حاربت باسمها، فقد تم تدمير العراق وأفغانستان. وبالإضافة إلى هذا التشابه في درجة الرعب المعلنة تعلن الحكومة الفرنسية أنها تدافع عن العلمانية مما يذكر بالدفاع الأمريكي عن الديموقراطية.
وكما اندفع الإعلام الأمريكي وجرّ معه الإعلام الدولي نحو اتهام الإسلام والمسلمين حتى قبل أن يبدأ القضاء عمله، اندفع الإعلام الفرنسي إلى اتهام الإسلام والمسلمين بعد أن أوحى أحد المجرمين أنه يدافع عن نبي الإسلام، ويعرف الإعلاميون وعلماء الاجتماع ورجال القضاء أن كبار المجرمين والقتلة يحملون دعاوى وادعاءات كبيرة جدا، فقد كان المجرم الأمريكي الشهير “آل كابوني” يقول إنه فعل كل جرائمه وقتل من قتل لأنه يريد إصلاح المجتمع الأمريكي، وأما نابوليون الذي غزا مصر وقتل من قتل من المصريين فارتدى العمامة الإسلامية!!!
والملاحظ أيضا في حكاية إظهار الرعب الفرنسي الرسمي، سرعة إعادة ذينك الفرنسيين المسلمين إلى أصولهما العرقية الجزائرية، بل إن قناة المخابرات الفرنسية france 24 راحت تكرر في ثرثراتها الصحفية عبارة “البربرية” وتبين سريعا أن المجرمين لم يولدوا في الجزائر ولم يتعلموا في مدارسها ولم يزوروها مجرد زيارة عابرة، بل وأكثر من ذلك تبين ألا علاقة لهم بالمساجد الإسلامية في فرنسا، فهم نتاج المدرسة الفرنسية والمجتمع الفرنسي، وهنا سؤال عن معنى المواطنة في فرنسا؟ بل يصبح هذا السؤال أكثر جدية حين يقول نتنياهو لليهود الفرنسيين: إسرائيل وطنكم. فما معنى المواطنة والوطن في العلمانية الفرنسية؟
من المؤكد منذ حكاية ابن لادن وانكشاف سلوكه وادعاءاته للمواطن العربي والمسلم، لم يعد لهذا المواطن أي اهتمام بمقولات وادعاءات الإرهابيين وشعاراتهم فهو لا يراهم أصحاب قضية إسلامية، بل يراهم أدوات تحركها الدول الاستعمارية الكبرى ومؤسساتها الاستخبارية ومنها فرنسا ومؤسساتها، وما هذه التنظيمات والميليشيات إلا كتائب محلية للجيوش الاستعمارية ووكلاء عن جنوده، كما هم الحكام العرب والمسلمون وكلاء عن ساسته.
صحيح جدا أن العالم الإسلامي وفي مقدمته وطننا العربي هو اليوم في حالة ظاهرة من الانهيار، وهي حالة تناقض ما كانت تقوله الدول الكبرى قبل قرنين حين قالت إنها جاءت لنشر التمدن والسلام، فكان هذا الدمار والانهيار وهذا القتل والتقتيل النتيجة التي حصلت عليها شعوب العالم الإسلامي والعربي. ويبدو أنه انهيار بدأ يرتد على صانعيه.
فليس بلا دلالة أن يكون القتلة الذين قاموا بجريمتهم في باريس كلهم تحت عين المؤسسة الأمنية الفرنسية وأن تطرح جريمتهم العديد من الأسئلة ذات المرارة الخاصة.
* هل المؤسسة الأمنية الفرنسية من الهشاشة أو من الاختراق، بحيث يفاجئها الذين تحت سيطرتها بما لا تريد، أم إنها تهيئهم لفعل ما تريد وما تخطط له، دون أن يشعروا بأنهم أدوات؟
* هل العلمانية الفرنسية تعني السماح بالسخرية من الآخر فردا أو جماعة أو عقيدة باعبتار ذلك من حرية التعبير، وتمنع أو تقمع ردة فعل هذا الآخر؟
* هل يتجه العالم إلى محاكم تفتيش مسيحية وإسلامية ويهودية جديدة في وجه علمانية غامضة في تعريف الوطنية، بل وازدواجية سلوكها، فهل فرنسا أم إسرائيل هي وطن اليهود، وما هي المعايير الدقيقة لهذه المواطنة؟
* هل تمكنت الدولة العلمانية الفرنسية وكل الدول المماثلة من تنفيذ وتطبيق قيمها وأفكارها على كامل ترابها وعلى كل مواطنيها؟
* هل مفهوم الدولة المعاصرة يساوي بين الناس بعيدا عمّا في “حوانيتهم” من جغرافيا ومن معتقدات قديمة وحديثة، وهل هم “سكان” لهم حقوق وواجبات، أم هم “مواطنون” لهم فوق الحقوق والواجبات قيم قائمة ومستجدة؟
وأنا أعتقد أن فرنسا التي يبدو أن اليهود يغادرونها بسرعة، فشلت في تحقيق العلمانية والديموقراطية وتتجه بسرعة إلى النقيض الذي يمثله حزب الجبهة الوطنية اليميني وهذا الفشل كفيل بتفجير أوروبا كلها، فإذا كان اليهود سيهاجرون تحت وهم ما إلى إسرائيل، فإلي أين سيهاجر المسلمون الفرنسيون؟ قد يقول قائل سيعودون إلى بلدانهم الإسلامية والعربية، إن هذا يعني أن هذه الدول ستنفجر على يد هؤلاء وإن انفجرت هذه الدول العربية والإسلامية على يد هؤلاء المسلمين الأوروبيين، فهل ستبقى أوروبا كما هي فعلا؟
لذلك أقول إن المشكلة أعمق مما سمعناه وشاهدناه على الإعلام الفرنسي وثرثرات france 24.