الرأي

ثقافة القبيلة التي‮ ‬تعطل عام الجماعة

حبيب راشدين
  • 4280
  • 5

قبل شهر ونصف من موعد الرئاسيات تعرفنا على أبرز المتنافسين،‮ ‬وعلى إعادة انتشار مكونات المشهد السياسي‮ ‬لنصرة مرشح جماعة‮ “‬الرابعة‮” ‬والتحاق المخلفة منهم بفسطاط السيد بن فليس‮. ‬وللمرة الثانية منذ بداية التعددية،‮ ‬نساق إلى خيار بين وجهين لعملة واحدة،‮ ‬لأن السيد بن فليس لم‮ ‬يكن‮ ‬يوما في‮ ‬المعارضة حتى‮ ‬يرجى منه تغيير واصلاح النظام،‮ ‬حتى لو كتب له الفوز،‮ ‬أو‮ ‬يعول على أنصاره الجدد في‮ ‬صياغة برنامج حكم اصلاحي‮ ‬بديل،‮ ‬يغري‮ ‬المواطنين على تغيير الأحصنة‮.‬

ترشح السيد بن فليس لم‮ ‬يقلق السلطة والنظام في‮ ‬2004‮ ‬حتى‮ ‬يؤرقهما اليوم،‮ ‬أو‮ ‬يؤرقهما انضمام بعض مجاميع المعارضة لجوقته التي‮ ‬ليس لها لحن مبتكر ترقص عليه،‮ ‬سوى تلك الجمل المفككة من برنامج حكم،‮ ‬يعد بالتغيير وهو لا‮ ‬يملك أدواته،‮ ‬مثله مثل برنامج أصحاب الرابعة الرافض للتغيير‮. ‬ولم تعد كيانات الإسلام السياسي‮ ‬طرفا في‮ ‬اللعبة،‮ ‬كما خرجت من اللعبة المجاميع المنتسبة لما كان‮ ‬يسمى بالقطب الديموقراطي‮.‬

حالة اليأس من ظهور قوى حاملة لمسار اصلاحي‮ ‬حقيقي،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬تنقل اليوم حبل الرجاء عند بعضهم من أهل الصالونات السياسية التقليدية،‮ ‬إلى ترقب الفرج من أهل‮ “‬المقاهي‮ ‬الافتراضية‮” ‬على الشبكة،‮ ‬والتعويل على شباب الفيس بوك لتحريك الشارع،‮ ‬وإمداد حملة‮ “‬بركات‮” ‬بالوقود،‮ ‬وهي‮ ‬لا تعلم أن النظام قد سبقها إلى هذا الفضاء،‮ ‬وعالجه كما عالج الفضاء التقليدي،‮ ‬بتعطيل المرور إلى الجيل الثالث،‮ ‬فيما كان شباب الربيع العربي‮ ‬يشتغل بأدوات الجيل الرابع‮.‬

وحده التعويل على المواطنين لفرض التغيير على النظام لم‮ ‬يجرب حتى الآن،‮ ‬لأن النخبة في‮ ‬المعارضة تحتقره كما‮ ‬يحتقره النظام،‮ ‬او لأنها ليست قادرة على صياغة خطاب وبرنامج حكم قد‮ ‬يغري‮ ‬المواطنين على دعمه،‮ ‬والتمكين له عبر صناديق الاقتراع كما حصل في‮ ‬تشريعيات‮ ‬91‮ ‬رغم أنف الإدارة،‮ ‬وأدوات التزوير التقليدية‮.‬

فمنذ قيام التعددية توفرت فرصتان لوضع البلد على سكة التغيير والإصلاح بأدوات التوافق،‮ ‬كانت الأولى مع خارطة الطريق التي‮ ‬سطرتها مجموعة‮ “‬سانت إيجيديو‮” ‬ببناء عقد وطني‮ ‬توافقي،‮ ‬والثانية لمسناها في‮ ‬رسالة السيد حمروش الأخيرة،‮ ‬قبل أن‮ ‬يسحبها تحت الضغط،‮ ‬أو ربما لأنه،‮ ‬مثل بقية النخب،‮ ‬لا‮ ‬يثق بقدرات المواطنين على فهم مسارات التغيير السلس والآمن بأدوات التوافق‮.‬

فمنذ‮ ‬2008،‮ ‬وحتى قبل اندلاع ثورات الربيع العربي،‮ ‬وأنا أدعو النخب الحاكمة وفي‮ ‬المعارضة في‮ ‬العالم العربي،‮ ‬إلى البحث عن صيغة عصرية‮ “‬لعام الجماعة‮” ‬الذي‮ ‬جربه السلف في‮ ‬صدر الإسلام،‮ ‬وكانت له نسخ شبيهة مثمرة،‮ ‬جربتها شعوب معاصرة لنا،‮ ‬في‮ ‬الصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا،‮ ‬قادتها إلى تحريك قاطرة التنمية،‮ ‬بعد تعطيل أدوات التناحر العدمي‮ ‬بين النخب على السلطة،‮ ‬والبحث عن سبل التوافق التي‮ ‬سمحت لدولة مثل الصين،‮ ‬يقودها حزب شيوعي‮ ‬مستبد،‮ ‬إلى تحقيق أعلى معدلات النمو،‮ ‬وانتزاع حصة الصين من التقسيم العالمي‮ ‬للعمل والثروة‮.‬

مقالات ذات صلة