ثقافة “كلّهم سواء” تنخر وعي المجتمع الجزائريّ!
قواعد مجتمعية تنطوي على كثير من الحيف والظّلم أقامتها الثقافة الجزائرية مقام المسلّمات التي لا تقبل النّقاش، شبّ عليها الصّغير وهرم عليها الكبير؛ لا تقف بكثير من الجزائريين عند حدّ القعود عن كلّ عمل جادّ يراد من خلاله التغيير أو على الأقلّ تخفيف حدّة الفساد وسرعة الانحدار في دركاته، حتّى تتعدّى بهم إلى محاولة ثني كلّ من يحاول التغيير ويخالف المألوف ويشعل شمعة في وسط الظّلام.
من القواعد الجزائرية التي لا يكاد يجادل فيها إلا القليل، تعميم الخطأ، ومحاكمة الجماعة إلى خطأ الفرد؛ فما أن يشاع عن فرد ممّن ينتدبون للإصلاح والتغيير أنّ فعله قد خالف قوله أو ناقض ما يتبنّاه، حتّى ينصب له المنجنيق وتشتغل آلة التعميم لتشمل كلّ مصلح، فهم جميعا -من دون استثناء- كذلك الذي وقع في الخطأ، كذّابون، منافقون، سارقون، يريدون مصالحهم الخاصّة ويتاجرون بمعاناة الكادحين!.. وبسبب شيوع هذه “الثقافة” صار من يبغي الصّلاح فيخطئ في موقف أو كلمة، بقصد أو من دون قصد، يُسوَّى بمن يبغي الفساد ويريدها عوجا.. ومع شيوعها لم يبق هناك من مجال للتثبّت والتبيّن، فكلّ خبر يشاع عن المصلحين، صحيح؛ يذاع ويُتداول من دون نظر ولا تمحيص ولا نظر في سيرة المعنيّ ومسيرته!
إذا حدث أن أخطأ رجل ملتحٍ وقارف معصية يقارفها الآلاف من غير الملتحين؛ انطلقت الأقلام والألسن تحشر الملتحين جميعا في الزاوية، فهم كلّهم ومن دون استثناء منافقون، يخالف سرّهم علانيتهم! وهكذا إذا تكلّم أحد الملتحين بجهل فيما لا يحسن، وأغرب في موقفه من بعض مستجدّات العصر؛ صار الملتحون كلّهم دراويش ومشعوذين، لأنّهم -جميعا- من ضحايا التسرّب المدرسيّ! ومن القائلين بالأرض المسطّحة التي لا تدور! وكلّهم يحرّمون الوسائل الحديثة، بل ربّما ينسب إليهم ما لم يقله منهم أحد، كالقول ببدعية ركوب السيارات والطائرات، والقول بتحريم الأكل بالملاعق…
ومثل هذا يقال كذلك إذا أخطأت محجّبة فاقترفت ببشريتها خطأ تقترفه آلاف المتبرّجات؛ حيث تنطلق الألسن لتتّهمها بالنّفاق والتستّر خلف الحجاب، وتغضّ عن كلّ حسناتها، وتسوّيها بإبليس، ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ حتّى تتحرّك الألسن باتّهام المحجّبات بأنّهنّ جميعا على هذه الشّاكلة، وأنّهنّ يتظاهرن بالتديّن بينما الحقيقة خلاف ذلك! فالمحجّبة في نظر هؤلاء المطفّفين ينبغي أن تتحوّل إلى ملك كريم أو تترك الحجاب رأسا و”تخرج طاي طاي” كما يقول الجزائريون! وإلا فهي منافقة!
إنّنا في أمسّ الحاجة لأن نعيد ضبط تفكيرنا ومواقفنا وموازيننا بضوابط الشّرع والعقل، فليس من أراد الحقّ فأخطأ في بعض خطواته على طريق الوصول إليه، كمن قصد الباطل رأسا.. ولو أنّ شخصا معيّنا أخطأ في موقف من المواقف، فليس بالضّرورة أن تكون كلّ مواقفه خاطئة، وإذا كذب في تصريح أو كلمة فليس بالضّرورة أن يكون كاذبا في كلّ ما يقول، إلا أن يثبت عنه تحرّيه الكذب وحرصه عليه.. هذا في حقّ شخص بعينه، كيف بمحاكمة جماعة كاملة بخطأ فرد منها وأخْذِ جميع أفرادها بجرم واحد منهم! يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون)).
إنّ الإصرار على ثقافة التعميم والمسارعة إلى التّجريم، كانت وستظلّ وبالا على المجتمع، خاصّة وأنّها تمثّل صيدا ثمينا لأولئك الذين يجدون فيها بغيتهم لإسقاط كلّ مصلح وكلّ داع إلى الإصلاح، فيكفيهم أن يشيعوا حوله إشاعة كاذبة حتّى يسارع المجتمع إلى إسقاطه من دون تثبّت، ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ولا توبة، بل يتولّى إسقاط كلّ من يعملون على شاكلته.. وهكذا حتّى يصير المسلمون كالمجرمين والذين آمنوا وعملوا الصّالحات كالمفسدين في الأرض والمتّقون كالفجّار! فـ”الكلّ بعضهم مثل بعض” كما تقول الثقافة الجزائرية!