الرأي

ثلاثُ حركات انفصالية!

حسين لقرع
  • 1300
  • 0

في شهر ديسمبر 2025، برزت ثلاثُ حركات انفصالية في ثلاثة بلدان عربية دفعةً واحدة، وبدعم صهيوني سافر، وهي حركة فرحات مهنّي التي أعلنت في 14 جويلية “استقلال” منطقة القبائل عن الجزائر، والمجلس الانتقالي لجنوب اليمن الذي أكّد أنه سيُعلن قريبا قيام “دولة اليمن الجنوبي”، وحركة “استقلال أرض الصومال” التي تفاوضت مع العدوّ الصهيوني سرّا وقايضت اعترافه بها “دولة مستقلة ذات سيادة” مقابل تطبيعها معه والقبول بتهجير سكان غزة إليها!   

أحسنُ ردٍّ على إعلان فرحات مهنّي جاء على لسان ابنه أغور مهني، الذي أدلى بتصريح تاريخي لفضائية “كنال ألجيري” أكّد فيه تمسّكه بوحدة الجزائر، ورفض كل مشاريع تقسيمها، وقال إنّه قرّر الحديث لغسل شرف عائلته التي يفتخر بجهادها في سبيل استقلال الجزائر.

تصريح أغور مهنّي يكفي للتدليل على فشل المشروع الانفصالي لوالده، فهو لم يستطع حتى إقناع ابنه به، فكيف يُقنع به إذن نحو 7 ملايين قبائلي؟

لكنّ اللافت في إعلان الانفصال في 14 ديسمبر أنّ الكيان الصهيوني أوفد ثلاثة مسؤولين سابقين إلى باريس لحضور الحفل ودعم فرحات مهنّي، ولا نستبعد أن نسمع قريبا رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو يعلن الاعتراف بـ”استقلال” المنطقة، كما فعل يوم الجمعة 26 ديسمبر عندما أعلن “الاعتراف الرسمي بجمهورية أرض الصومال دولة مستقلة ذات سيادة”؟!.

ومع أنّ هذا الاعتراف شاذّ ومجرّد خطوة فردية ولاقت استهجان العالم كله، إلا أنّه أثار ضجّة واسعة ومخاوف العالم الإسلامي برمّته من أن يبدأ الكيان في تقسيمه مجدّدا، وبدعم غربي خفيّ، إلى دويلات صغيرة، على خلفية طائفية وعرقية ومناطقية… لكي يزيده ضعفا وتشرذما وتفكّكا ويبقى الكيانُ سيّد المنطقة بلا منازع، وهذا في إطار مشروع “تغيير وجه الشرق الأوسط”، الذي لا يعني فقط القضاء على محور المقاومة كما يدّعي المهرولون، بل يعني أيضا إعادة تقسيم المنطقة كخطوة نحو تجسيد “إسرائيل الكبرى” التي تحدّث عنها نتنياهو في أوت الماضي.

وإذا كانت حركة فرحات مهني لا تلقى القبول حتى في أوساط عائلته وأبنائه، ومحكوم عليها بالفشل كما أسلفنا، فإنّه ينبغي للدول العربية والإسلامية معالجة خطر الحركتين الانفصاليتين في اليمن والصومال بكل حزم وصرامة، وبهذا الصّدد ينبغي تقديم دعم عسكري ومادي قوي لحكومتي البلدين لبسط سيادتهما على أراضيهما كاملة، فضلا عن ضرورة لجم الإمارات العربية المتحدة والضغط عليها لإجبارها على وقف دعمها غير المحدود للمجلس الانتقالي الجنوبي، وهو الدعمُ العسكري والمالي الذي شجّعه على بسط سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة بجنوب اليمن و90 بالمائة من أراضي جنوب اليمن، ما يهدّد وحدة هذا البلد في الصميم، علما أنّ رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، كان قد عرض مرارا على الكيان الصهيوني المساعدة في إقامة “دولة اليمن الجنوبي” مقابل التطبيع والانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام”.

وغنيّ عن القول إنّ تزايد نشاط بعض الحركات الانفصالية في العالم العربي في الآونة الأخيرة قد يشجّع أكثر على بروز حركات انفصالية أخرى في العام الجديد 2026، وخاصة في سوريا حيث يوثّق الأكراد والدروز علاقتهم بالكيان الصهيوني جهارا نهارا ويستقويان به. صحيحٌ أن أغلب الدول العربية والإسلامية رفضت اعتراف نتنياهو بانفصال “أرض الصومال”، لكن البيانات السياسية لا تكفي، وينبغي دعمُ اليمن والصومال عسكريًّا لبسط سيادتهما على أراضيهما، وأيّ تهاون في هذا الشأن قد تدفع باقي المنطقة ثمنه غاليًّا، لقد تهاون العربُ مع “أرض الصومال” التي أعلنت انفصالها في سنة 1991 عقب سقوط نظام الرئيس زياد برّي، وكان ينبغي لهم منذ البداية مساعدة الصومال على تخطّي محنتها واستعادة عافيتها ووحدتها وقمع هذه الحركة الانفصالية ووأدها في المهد آنذاك، لكنّها تعاملت معها كالنعامة حتى كبُرت وأصبحت تعقد صفقات مع الاحتلال وتتآمر معه على تهجير الفلسطينيين مقابل الاعتراف بها “دولة مستقلة”.. والأمرُ ذاته ينطبق على المجلس الانتقالي بالجنوب الذي يتَّجه إلى إحياء “دولة اليمن الجنوبي” بمساعدة إماراتية- صهيونية، وهي دروسٌ ينبغي أن يستفيد منها العرب الآن في التعامل مع ما برز في أوطانهم من حركات انفصالية قد تكبُر غدا وتهدِّد وحدتها الترابية وسلامة أراضيها إن لم تعالَج اليوم بحزم كبير.

لقد أفشلت دولٌ عديدة مشروع انفصال كردستان عن العراق عقب استفتاء 25 سبتمبر 2017، بوقوفها العملي الصارم ضدّه، وينبغي أن تقف بالحزم ذاته ضدّ مشاريع الانفصال العديدة في المنطقة التي يراد لها أن تتعرّض لتقسيم جديد يمزِّق دولها الـ57 إلى نحو 200 دويلة صغيرة ومتناحرة طائفيًّا وعرقيًّا ومناطقيًّا، حتى يبقى الاحتلال السيّدَ الأوحد في المنطقة وينصّب نتنياهو نفسه إمبراطورها بلا منازع.

مقالات ذات صلة