الرأي

ثلاث سلبيات للتعامل مع التعليم في بلادنا..!

التهامي مجوري
  • 579
  • 0
اشروق أونلاين
التعليم

اعتبار اليونسكو يوم 24 جانفي من كل عام يوما دوليا للتعليم لفتة إنسانية طيبة، لتذكير الشعوب بضرورته وأهميته في المجتمعات، ومدى علاقته بنهضات الأمم وتقدمها وإصلاح واقعها وتطويره.

ولكن ما لا نزال نعاني منه في بلادنا أننا نتعامل مع قطاع التعليم، بثلاث سلبيات لا يمكن لأي مشروع تعليمي تربوي أن ينهض أو يكتب له النجاح بوجودها، مهما بذلنا وتكلمنا عن عدد المدارس التي ننشئها والمتمدرسين الذين يزاولون الدراسة وخريجي الجامعات، وهي:

فاجتماع هذه القضايا الثلاث، لا يسمح لأي مشروع إصلاحي أن يمر بسلام أو يحقق شيئا في الواقع؛ لأن ذلك من القضايا المضادة لطبيعة الموضوع…، واستمرار هذه المنهجية لا يعني إلا شيء واحد، هو التخلص من التفكير في منظومة تربوية وطنية بأبعاد حضارية واضحة المعالم.

ورغم أن تجاوز هذه القضايا الثلاث يمكن البت فيها ببساطة، من ناحية أن الانتماء وعلاقته بالتاريخ والجغرافيا والمد الحضاري الثقافي، لا غبار عليه، فامتدادنا التاريخي، الجغرافي، الثقافي، الحضاري، السياسي، امتداد مغاربي، عربي، إسلامي، إفريقي، متوسطي، ولكن لكل طرف جغرافي من هذه الأطراف يربطنا به جانب من جوانب الحياة، فلسنا لقطاء مجهولي النسب لنبحث لنا عمن يتبنانا…، والمؤسسة التعليمية ليست مضطرة لتضع نفسها في خيارات ليست مجبرة على التخلي عن بعضها.

ولكن طابع الأدلجة يلح على فرض أن الامتداد الطبيعي للمجتمع العربي الإسلامي، خرافة (كما ورد في وثيقة بن زاغو) ولا بد من استبداله بانتماء آخر… كأن يقال إن الامتداد الطبيعي للجزائر هو الانتماء المتوسطي الإفريقي، في مقابل “خرافة الانتماء العربي الإسلامي” وبحكم أن مثل هذا الادعاء لا يمكن أن يمر ببساطة وسهولة، فقد تعمد القوم إحداث زوابع من حين لآخر، لوضع العصا في العجلة… فكانت معركة الهوية واللغات وإلغاء تخصص الشريعة الإسلامية وتخفيف “تحفيف” برنامج الباكالوريا، والاخفاقات المتتالية لعملية الإصلاح التربوي التي لا تزال تكبو وتتعثر…

أما من ناحية أن قطاع التعليم ليس منتجا، فهذا هو عين الجهل واللامبالاة؛ لأن من البدهيات أن المؤسسة التعليمية هي لب وجوهر العملية الإنتاجية؛ لأن الاقتصاد اليوم ليس مجرد مؤسسات فلاحية إنتاجية تنتج “البطاطا” و”الطوماطيش” والألبسة والسيارات والعمارات…، وإنما هي في الرصيد الاجتماعي والمعرفي الذي يمتلكه الشعب، قبل الكلام عن امتلاك الأموال والكم الهائل من الأراضي والمواد الأولية.

ففي سبعينيات القرن العشرين، تساءل مالك بن نبي رحمه الله في كتابه “المسلم في عالم الاقتصاد”، حول ما إذا انهارت مدينة واشنطن على آخرها وأريد بناؤها، هل يمكن بناؤها من جديد بما يمتلك الأمريكان من رصيده في الذهب؟ وأجاب بأن ذلك غير ممكن، لأن رصيد الأمريكان من الذهب -وغير الأمريكان أيضا- لا يساوي شيئا مقارنة بحاجة إعادة بناء مدينة كواشنطن، ولكن يمكن للأمريكان أن يعيد بناء مدينته المنهارة بما يمتلك من “رصيد اجتماعي”، وهذا الرصيد الكامن في النظام الاجتماعي الذي تقرر فيه بوجب قانون “العمل واجب على كل ساعد، ولقمة العيش لكل فمّ”، بمعنى أعمق مقرر في التوازن بين الحقوق والواجبات التي توحي بالاستقرار الاجتماعي، وهي الفكرة الجامعة للشعب على قاسم مشترك بين مجموع الأفراد، تصنعه المدرسة والمؤسسات التعليمية التربوية بشكل أو بآخر.

وفي هذا السياق تمت جميع النظم التعليمية التربوية في العالم، فكل نهضة مهما كانت غاياتها، كانت بداياتها بالتربية والتعليم؛ بل إن العالم اليوم يتحدث عن اقتصاد المعرفة؛ لأن رأس المال الأهم اليوم هو المعرفة وليس المواد الأولية فحسب على أهميتها وضرورتها أيضا.

وفي تجربتنا الجزائرية التي أسس لها العلماء في بدايات القرن العشرين، قد انتبهت إلى ذلك مبكرا، وقد استثمرت الدولة الجزائرية في بداية الاستقلال في هذا الرصيد الذي أسست له الحركة الوطنية بما يعرف بالتعليم الحر قبل الاستقلال، ولكن الأدلجة التي دخلت على الخط وعملت على تحرير المؤسسة التعليمية في الجزائر من أوهام نسجتها حول التجربة برصيدها التربوي التحرري!! وتخلصها من التخلف الذي كان عليه المجاهدون المؤمنون بالجزائر الكافرون بفرنسا، بحيث أبقوا على التجربة في مراحلها الطفولية، إذا استثنينا الجهود التي بذلت من أجل إنشاء منظومة تربوية وطنية وفية لعمقها الحضاري المتمثلة في “أمرية 1976” وما بعدها بقليل…، ثم دخلت البلاد في نفق مظلم ابتداء من عملية التفتح الفني الذي أسس للكثير من الجرائم الأخلاقية بما أشيع من القيم الهابطة، فانفتحت المؤسسات الثقافية على الإنتاج الأدبي المنحل بنموذجها الهابط “رواية الرعن” لرشيد بوجدرة، وفتحت القنوات لأغنية الراي، ثم بالانقلاب على المنظومة التربوية عبر الحملات المركزة المتتالية منذ ذلك الحين إلى أن وجدت طريقها الممهد بانقلاب سنة 1992، بإعلان الرئيس محمد بوضياف عن أن المدرسة الجزائرية منكوبة…؛ لأنها أنتجت لنا إرهابيين رفعوا السلاح في وجه الدولة!! رغم أن هذه المدرسة هي أنتجت أيضا الجندي والبوليسي والمعلم والتاجر والسياسي أيضا.

إن العملية التعليمية في كل بلد يحترم نفسه، هي الأساس الأول الذي ينبغي أن تنطلق منه كل عملية تحريرية نهضوية وتربوية، كما قال الأستاذ الإمام عبد الحميد ابن باديس “لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم فإنّما العلماء من الأمّة بمثابة القلب إذا صلح صلح الجسد كلّه وإذا فسد فسد الجسد كلّه… ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح ‌تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته وما يستقبل من علمه لنفسه وغيره فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم… ولن يصلح هذا التعليم إلاّ إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه في مادته وصورته فيما كان يعلم صلى الله عليه وآله وسلم وفي صورة تعليمه، فقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه مسلم أنّه قال: «إنّما بعثت معلما»” [ابن باديس حياته وآثاره]، ولذلك كانت بدايات ابن باديس مع التعليم في سنة 1913، لينبثق عن هذه العملية خلال أقل من عشرين سنة، نهضة إعلامية حيث أسس وشارك في جملة من المجلات والجرائد ومنها على وجه الخصوص “المنتقد” و”الشهاب” وثورة تعليمية عبر أرجاء الوطن، مستعينا بإخوانه الذين يشاركونه الهم، أمثال الطيب العقبي والابراهيمي العربي التبسي وإخوانه في ميزاب أمثال إبراهيم أبو اليقضان وإبراهيم بيوض، لتتوج تلك الأعمال بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أشرفت على تلك العملية بقوة وقدرة ورشد، بحيث أسست لذلك إدارة مركزية لذلك سميت “بلجنة التعليم العليا” للإشراف على المدارس التي أنشأتها عبر الوطن وتسييرها، ثم انتقلت الفكرة إلى رجال الحركة الوطنية السياسية فشرعت هي الأخرى في تأسيس مدارس حرة بعد ذلك.

إن للتعليم أربعة أهداف رئيسية في سياسات الدول وهي: محاربة الأمية، تكوين التقنيين، إيجاد الكم الكافي لإدارة مؤسسات المجتمع، وأخيرا تهيئة قيادات وخبراء للمجتمع.

أما محاربة الأمية فتتمثل في أربعة مستويات وهي: الأمية الأبجدية، الأمية الوظيفية، الأمية الرقمية، الأمية الثقافية.

أما محاربة الأمية الأبجدية فتكون بتعليم القراءة والكتابة، وتليها محاربة الأمية الوظيفية بالانتقال من معرفة القراءة والكتابة، إلى القدرة على التعامل بالكتابة بحيث يوظف الرصيد التعليمي في الحياة العملية ومن ذلك التعليم المهني، أما محاربة الأمية الرقمية فتتمثل في القدرة على استعمار التكنولوجيات الحديثة، وأخيرا محاربة الأمية الثقافية، وهذه غاية كبرى توحي بالتحول الاجتماعي الشامل، حيث يرتفع المستوى التعليمي ثم يتم تحويله إلى قيم ثقافية دارجة عبر العملية التربوية التي يشارك فيها أكثر من طرف في المجتمع.

وعندما ينجح النظام التعليمي في مجتمع ما، في محاربة هذه المستويات من الأمية، يصبح مهيئا للنجاح في باقي غايات التعليف وأهدافه كلها، سياسية واجتماعية واقتصادية، وإذا لم يستطع تجاوز الأمية، فلا مستقبل له.

وقد اجتمعت كلمة الرواد على أهمية التعليم وانعكاساته كلها، يقول الإبراهيمي “كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا بالمدينة في تربية النشء هي: ألا نتوسع له في العلم، وإنما نربيه على ‌فكرة ‌صحيحة ‌ولو ‌مع ‌علم ‌قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا” [آثار محمد البشير الابراهيمي]، فكان لهم ذلك النجاح الباهر الذي أنشأ الجيل الذي استأنف حياة الجزائر المستقلة، بعد انتصارها على الاستدمار الفرنسي.

مقالات ذات صلة