-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ثورة أول نوفمبر وقيم التنمية

بقلم: البروفسور المميز عبد المجيد البركة قدي
  • 358
  • 0
ثورة أول نوفمبر وقيم التنمية

تعتبر ثورة أول نوفمبر التحريرية من أعظم الثورات التي ألهمت شعوب المعمورة السير في نهج الحرية والانعتاق، وهي نموذج في فك الارتباط مع الاستعمار باعتباره كابحا لطموح الشعوب وعائقا أمام سعيها إلى النمو وتوسيع خياراتها، ومعرقلا لقدراتها الإبداعية. ذلك أن الاستعمار سعى إلى طمس الروح الإيجابية لدى الإنسان الجزائري، والقضاء على القيم الساعية للنهوض به. وقد تظهر مؤشرات ذلك والجزائر على أبواب اندلاع الثورة في العديد من المظاهر والتجليات الاقتصادية منها:
– بالرغم من أن عدد السكان الجزائريين في سنة 1954 كان يساوي تسعة أضعاف الأوربيين، لم يكونوا يمثلون سوى 29% من عمال الوظيفة العمومية، فضلا عن كونهم ضمن الوظائف الدنيا؛
– من بين 2500 موظف في الحكومة العامة للجزائر نصيب الجزائريين كان أقل من 07% أي في حدود 183 مسلم جزائري؛
– يسيطر 20 ألف معمر على الأراضي الخصبة بحجم 02 مليون هكتار، تساهم بـ65% في الإنتاج الزراعي الكلي؛ وهذا في مقابل 360 ألف مالك جزائري الذين لا تتعدى مساهماتهم 35%، نتيجة مصادرة أراضيهم، وإلجائهم إلى غير الخصبة منها؛
– 92% من القروض المصرفية، كانت وجهتها 65000 مؤسسة صناعية أوربية، إذ تلقت ما مقداره 375 مليار فرنك قديم،
– التبعية شبه المطلقة للاقتصاد الفرنسي، فـ 80% من المبادلات كانت تتم مع فرنسا؛
– اضطراب الأمن الغذائي في الجزائر نتيجة توجيه الأراضي الخصبة لزراعة الكروم، التبغ وغيرها من المنتجات، والعبث بأراضي زراعة الحبوب؛ وهذا بعدما كانت الجزائر تعرف بأنها مطمورة روما؛
– إرهاق الجزائريين بالضرائب؛ الأمر الذي حول الفرد الجزائري من سيد في أرضه ومالك لها إلى مجرد أجير وخماس في ظل ظروف عمل غير مقبولة إنسانيا؛
– تشويه هيكل الملكية بمصادرة الأراضي الوقفية وأراضي العرش؛ مما جعل المدارس والمساجد غير قادرة على أداء وظائفها نتيجة التضييق على مصادر تمويلها؛
– تحويل الجزائر إلى مصدر للمواد الأولية قصد إمداد الصناعة الفرنسية بما تحتاجه من مواد ووقود،
– انتقال مركز القرار الاقتصادي (استثمار، إنتاج، تمويل…) من الجزائر إلى باريس.
أمام هذه المعطيات حرصت الثورة الجزائرية على تجميع وتنظيم الطاقات الإيجابية لدى الشعب الجزائري لتصفية الاستعمار الفرنسي؛ لأن نجاح الثورة سوف يؤدي إلى استرجاع السيادة على الموارد، وتمكين الشعب الجزائري من التعبير عن طموحاته، وتمكينه من اتخاذ القرار بما يخدم مصالحه، ويسمح بتوجيه موارده نحو إشباع حاجاته المختلفة، ومساعدته في العودة إلى مستوياته الريادية في السيطرة على البحر المتوسط، وإمداد المجتمعات الأخرى بالفائض من الإنتاج الزراعي.
وإدراكا من الاستعمار لخطورة هذا المسعى، حاول الالتفاف عليه، بإطلاق مخطط قسنطينة، وتكوين دفعة سوستيل، وهي محاولة باءت بالفشل لأن ثمة إدراكا من الثورة وقادتها لضرورة تعزيز القيم الإيجابية وتقليص حصة القيم السلبية التي اجتهد الاستعمار في تكريسها مثل الكسل، عدم الرغبة في العمل، الزهد في التعليم، الأنانية وعدم الاهتمام بالآخر. وبهذا كانت ثورة أول نوفمبر، في جوهرها، ثورة العودة إلى القيم المستمدة من المرتكزات الروحية والتاريخية لهذا الشعب، وهكذا نجد بيان أول نوفمبر يركز على بعض المبادئ والمعاني السامية، أبرزها:
– الاعتماد على النفس، فلما قامت الثورة كان رهانها على الشعب الجزائري وإمكاناته، وهو ما يجب استلهامه في المسار التنموي، فالتنمية لا تقوم إلا على الإمكانات الذاتية، والثقة في الطاقات والقدرات البشرية، وأن تكون الطموحات متوافقة مع القدرات والإمكانات المتاحة؛ – إشراك الجميع في الكفاح ضد المستعمر، وكان نتيجة ذلك انصهار كل التيارات السياسية والجمعوية في جبهة التحرير الوطني، لكي يشعر الجميع بمساهمته في تحرير البلاد؛ وهذا ما يقتضي تعبئة جميع القدرات والإمكانات المتاحة للشعب الجزائري وتوجيهها نحو الجهد التنموي الذي لا يمكن ضمان نجاحه إلا بوجود توافق مجتمعي حول القضايا والخيارات الكبرى، باعتماد الديمقراطية واستلهام المبادئ الإسلامية؛
– القضاء على الفساد بمختلف تجلياته والتحلي بروح الإصلاح والشفافية، فلقد أكد البيان على أن أحد عوامل فشل الحركة الوطنية هو تنازع السلطة، بدلا من وضع المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات التافهة والمغلوطة لقضية الأشخاص والسمعة، وأن أحد أهداف الثورة هو التطهير السياسي بإعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي والقضاء على جميع مخلفات الفساد والالتزام بروح الإصلاح والتوحد ضد الاستعمار الذي هو العدو الوحيد الأعمى؛ وهو ما يجعل التوحد ضد محاربة التخلف أمرا مفصليا في السعي إلى النهوض بالاقتصاد وتحسين ظروف حياة الموطن؛ ذلك أن تعطيل أي طاقة أو قدرة تحت أي مسمى هو عبث بروح الشهداء. وهذا ما يدفع إلى البحث في أسباب وعوامل عدم الاستفادة من الأدمغة التي اختارت المنفى أو دفعت إليه، وعدم توفير المناخ الملائم لها لتفجير عبقريتها وذكائها. إن محاربة الفساد هي الوسيلة التي تواجه بها مثل هذه الوضعيات التي تجعل من الناس ضحايا للتخلف دون إدراك منهم؛
– التحرر من القيود الموجودة على المستوى الدولي، التي وقفت أمام إرادة الشعوب في افتكاك حريتها وتقرير مصيرها، فلقد كانت بالأمس تتمثل في الإمبريالية وعملائها الإداريين وبعض محترفي السياسة الانتهازية. وإنها اليوم تتجلى في القيود والشروط والوصفات الجاهزة التي تقدمها المنظمات الدولية تعززها المشروطية السياسية التي يتم تفصيلها على مقاس الدول النامية كحرية التعبير، حقوق الإنسان، التعددية، حقوق الأقليات..؛ ذلك أن نظاما تم تفصيله في وقت ومعظم البشرية ترزح تحت نير الاستعمار لكفيل بأن تتم مراجعته، وإعادة بنائه على أسس من العدالة والإنصاف والتوازن؛
– روح التكامل والاندماج بالنظر إلى الاستقلال في إطار وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي. وهذا بعد تؤكده التجارب والممارسات، فالنمو الاقتصادي لا يمكن تحقيقه عبر أسواق محدودة؛ ومن هنا يكون الاهتمام بالشراكات والاندماجات أمرا مفصليا ورافعة للنمو الاقتصادي، وقد يكون الاهتمام بإعادة بناء اتحاد المغرب العربي على أسس ودعائم موضوعية، أداة لتعزيز تنافسية اقتصاداته، ووسيلة لتعبئة الطاقات التي يزخر بها؛
– الصبر والعزيمة والثقة بالنفس فالعزم على مواصلة الكفاح، والوثوق من مشاعر الشعب المناهضة للاستعمار، والاستعداد لتقديم للوطن أنفس ما يملك، كان هو المحدد في النهاية للنصر، ومن هنا تكون الحاجة قائمة إلى عدم الرضا بالواقع كيفما كان، وإنما السعي إلى التحسين المستمر والتغيير الدائم تحت سقف من الطموح الواسع، وطرح اليأس جانبا” إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”؛ وفي هذا السياق يؤدي الاستشراف دورا محوريا في الارتقاء بالأمة؛
– العدالة الاجتماعية في توزيع ثمار التنمية وفي أساليب الاستفادة من ثروات المجتمع، فضلا عن توازن العملية التنموية بين الجهات والأقاليم؛ وهذا تفاديا للشعور بمرارة الظلم الذي يمكن أن يشعر به مواطن في وطنه.
– اعتبار كل شبر في الجزائر مساويا لشبر في أي منطقة منها؛ وهذا الاعتبار هو الذي استطاع الحفاظ على الوحدة الوطنية، وعدم التسليم بفصل الصحراء عن الجزائر.
هذه هي القيم التي حملتها معها ثورة أول نوفمبر التي لم يكن غايتها الاكتفاء بإخراج المستعمر من الديار، وإنما الارتقاء بمستوى معيشة الفرد الجزائري وإرجاع الهيبة للجزائر، وتعزيز مركزها على المستوى الدولي كما كانت ذات يوم. وإذا كانت الثورة التحريرية قد مكنت المجتمع الجزائري من استرجاع السيادة على ثرواته، فإن ذلك يضع على عاتقنا مسؤولية العقلانية في استغلال هذه الموارد والثروات، والبحث عن أفضل السبل والسياسات لضمان حقوق الأجيال فيها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!