الرأي

ثورة نوفمبر والحقيقة التي‮ ‬يراد لها أن تُقبر

سلطان بركاني
  • 6325
  • 0

كثيرة هي‮ ‬الحقائق التي‮ ‬يراد لها أن توأد وتقبر تحت الثرى،‮ ‬حقائق تتعلّق بتاريخ وحاضر‮ ‬هذا البلد ومستقبله،‮ ‬لعلّ‮ ‬من أهمّها حقيقةَ‮ ‬أنّ‮ ‬الثورة الجزائرية كانت جهادا دينيا،‮ ‬إسلاميّ‮ ‬المنطلق والشّعارات والأهداف،‮ ‬ضدّ‮ ‬مستعمر صليبيّ،‮ ‬سعى قبل إهلاك الحرث والنّسل واستنزاف الخيرات،‮ ‬إلى إبعاد هذه الأمّة عن دينها وطمس هويتها‮.‬

حينما انطلقت ثورة نوفمبر على وقع صيحات‮ “‬الله أكبر‮”‬،‮ ‬وأعلنت في‮ ‬أوّل بند من بيانها أنّها تهدف إلى‮ “‬إقامة الدّولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السّيادة،‮ ‬ضمن إطار المبادئ الإسلامية‮”‬،‮ ‬رمى المستعمر الصّليبيّ‮ ‬بكلّ‮ ‬ثقله لتحريف مسار هذه الثّورة،‮ ‬وتفريغها من شعاراتها وأهدافها الإسلاميّة،‮ ‬وأوعز إلى عملائه‮ -‬الذين ربّاهم على عينه‮-‬،‮ ‬أن‮ ‬يجعلوا هذه الغاية على رأس أولوياتهم‮.‬

أدرك قادة الجهاد هذه الحقيقة،‮ ‬فجعلوا الهوية الإسلاميّة للثّورة عنوانا لا‮ ‬يقبل المزايدة ولا التّساهل،‮ ‬وكانوا أحرص عليه منهم على أرواحهم،‮ ‬وقد سجّل التّاريخ بأحرف من ذهب أنّ‮ ‬القائد البطل‮ “‬العقيد عميروش‮” ‬عليه رحمة الله ـ سليل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ـ ثار على أحد الأطباء في‮ ‬الجبل،‮ ‬حينما كتب عبارة‮ “‬محاربي‮ ‬جيش التّحرير الوطني‮”‬،‮ ‬وأمره أن‮ ‬يكتب بدلا عنها‮ “‬مجاهدي‮ ‬جيش التّحرير الوطني‮”.‬

كما شهد المجاهد‮ “‬محمد لحمر‮” -‬أحد مجاهدي‮ ‬أولاد جلال بولاية بسكرة‮- ‬أنّ‮ ‬أحد المراقبين خلال ثورة التّحرير جاءه‮ ‬يتفقّد عناصر الجيش الذين كانوا تحت مسؤوليته،‮ ‬وسأله قائلا‮: ‬ما الشّعار الذي‮ ‬يتعلّمه المجاهدون معك؟ قال‮: ‬إنّ‮ ‬هؤلاء المجاهدين‮ ‬يعتقدون ويردّدون بأنّهم التحقوا بالثّورة باسم الجهاد في‮ ‬سبيل الله‮. ‬ولمّا أراد المراقب أن‮ ‬يصرف أذهانهم عن هذا الهدف،‮ ‬ما كان منهم إلا أن ألقوا أسلحتهم،‮ ‬وقالوا بصوت واحد‮: “‬إمّا أن نقاتل العدوّ‮ ‬باسم الجهاد في‮ ‬سبيل الله وإما رجعنا من حيث أتينا‮”.‬

هكذا كان مجاهدو جيش التّحرير‮ ‬يقفون بالمرصاد لكلّ‮ ‬من‮ ‬يريد أن‮ ‬يفرّغ‮ ‬ثورتهم من بُعدها الإسلاميّ،‮ ‬وينسيهم الغاية التي‮ ‬لأجلها حملوا السّلاح،‮ ‬ولأجلها استعذبوا الموت،‮ ‬حتى قال أحدهم وهو‮ ‬يسْلم الرّوح إلى باريها في‮ ‬ساحات الوغى،‮ ‬قال‮: “‬إنّني‮ ‬الآن أموت قرير العين‮ ‬غير آسف على شيء،‮ ‬فالجنّة أمامي‮ ‬والنّصر ورائي‮”‬،‮ ‬وقال آخر‮: “‬بعد لحظات ستنفلت روحي‮ ‬من هذا الوجود وتلتحق بربّها،‮ ‬ولا شيء‮ ‬يؤسفني‮ ‬لأنّي‮ ‬أموت في‮ ‬سبيل الله‮”.‬

وكيف لا تكون هذه حالهم عند الموت وهم الذين كان الواحد منهم‮ ‬يقسم عند التحاقه بالجبال على المصحف الشّريف،‮ ‬بأن‮ ‬يقاتل حتى النّصر أو الشهادة،‮ ‬وهم من كانوا‮ ‬يصطحبون المصاحف للتعبّد بقراءة ما حوته،‮ ‬وطلب الثّبات بتلاوة ما ضمّته،‮ ‬بل قد كان المصحف عند بعضهم زادا أهمّ‮ ‬من زاد الطّعام والشّراب،‮ ‬وقد سجّل التّاريخ أنّ‮ ‬المجاهد البطل العقيد عميروش ـ عليه رحمة الله ـ استشهد وهو‮ ‬يحمل المصحف الشّريف في‮ ‬جيبه،‮ ‬ولعلّه‮ ‬يكون المصحفَ‮ ‬الذي‮ ‬أرسله إليه الشّيخ العربي‮ ‬التبسي،‮ ‬حين طلب منه أن‮ ‬يكتب له وصية‮ ‬يعمل بها في‮ ‬ميادين الجهاد‮.‬

هذه هي‮ ‬الحقيقة التي‮ ‬يراد طمسها إرضاءً‮ ‬لقوم لا‮ ‬يرضون إلا باتّباع ملّتهم وسلوك سبيلهم،‮ ‬حقيقة أنّ‮ ‬جهاد آبائنا كان جهادا إسلاميا،‮ ‬لله وفي‮ ‬سبيل الله،‮ ‬وإعزازا لدين الله،‮ ‬نحسبهم كذلك ولا نزكّيهم على الله،‮ ‬ولعلّ‮ ‬ما هو أبلغ‮ ‬في‮ ‬الدّلالة على هذه الحقيقة من كلّ‮ ‬ما سبق،‮ ‬أنّ‮ ‬قادة الجهاد في‮ ‬هذا البلد،‮ ‬كانوا قد أعلنوا أنّهم لن‮ ‬يكتفوا بجعل راية جهادهم راية إسلاميّة،‮ ‬بل إنّهم سيواصلون خوض معركتهم بعد الاستقلال ضدّ‮ ‬الشّيوعيين واللاديننين والمندسّين من أجل دينهم وقيمهم ولغتهم،‮ ‬وقد سجّل بعض المؤرّخين أنّ‮ ‬الشّهيد البطل العقيد عميروش‮ -‬عليه رحمة الله‮- ‬بعد لقائه الشيح محمد الصّالح صديق في‮ ‬تونس،‮ ‬وفي‮ ‬لحظة الوداع،‮ ‬أخرج العقيد عميروش ساعة من جيبه فضبطها على ساعته،‮ ‬وأهداها إليه وقال‮: “‬خذها لِتَعُدَّ‮ ‬بها أيام الاستعمار الباقية في‮ ‬الجزائر وهي‮ ‬قليلة،‮ ‬وبعد الاستقلال سنخوض معركة أخرى من أجل قِيَمِنا وإسلامنا ولغتنا العربية،‮ ‬فذلك هو الجهاد الأكبر‮”.‬

فما أروعها وأحلاها من كلمات،‮ ‬خرجت من قلب رجل صدق الله ما عاهده عليه،‮ ‬نحسبه كذلك،‮ ‬فاختاره الله في‮ ‬ركب الشّهداء،‮ ‬ولم‮ ‬يدرك الاستقلال،‮ ‬ولو أدركه ورأى ما نرى لربّما قال ما قاله الإمام الإبراهيميّ‮ ‬عليه رحمة الله،‮ ‬حينما قام في‮ ‬أوّل جمعة بعد الاستقلال خطيبا في‮ ‬النّاس في‮ ‬مسجد كتشاوة،‮ ‬فكان ممّا قال‮: “‬يا معشر الجزائريين‮! ‬إنّ‮ ‬الاستعمار كالشّيطان الذي‮ ‬قال فيه نبيّنا‮ -‬صلّى الله عليه وسلّم‮-: (‬إنّ‮ ‬الشيطان قد‮ ‬يئس أن‮ ‬يعبد في‮ ‬أرضكم هذه،‮ ‬ولكنّه رضي‮ ‬أن‮ ‬يطاع فيما دون ذلك‮). ‬فهو قد خرج من أرضكم،‮ ‬ولكنّه لم‮ ‬يخرج من مصالح أرضكم،‮ ‬ولم‮ ‬يخرج من ألسنتكم،‮ ‬ولم‮ ‬يخرج من قلوب بعضكم،‮ ‬فلا تعاملوه إلا فيما اضطررتم إليه،‮ ‬وما أبيح للضّرورة‮ ‬يقدّر بقدرها‭…‬‮”.‬

مقالات ذات صلة