جداتنا من مصدر للعادات والتقاليد إلى مدمنات يوتيوب
كانا نحن وسائل الترفيه لدى جداتنا، تشتغل برعايتنا وتقضي معنا وقتا طويلا، تروي لنا حكاياتها اللطيفة التي يندرج أغلبها من الخرافة، أو تحضر لنا أطباقا تقليدية ومخبوزات شهية.
لكننا حين صددنا عنهن صوب التكنولوجيا والإنترنت، يبدو أنهن اخترن الوجهة ذاتها ليلحقن بنا، جداتنا اليوم يتفرجن على حسابات اليوتيوب الخاصة بروتين المنزل والطبخ العصري، وعرض المسلسات المختلفة والدروس الدينية وقصص الناس، ويطالبن بالهواتف الذكية والألواح والحواسيب والسماعات..
رغم الأمية.. يستخدمن التكنولوجيا ويدمنّ على محتويات إلكترونية
أغلب الجدات اليوم، لم تكن لهن فرصة التعليم، ولا يجدن استخدام أي شيء يستحق الكتابة أو القراءة.. مع هذا، أطاحت بهن الإنترنت، وجلبتهن إلى شراكها في آخر العمر، تقول ربيحة: “والدتي أمية، لم يسبق لها دخول المدرسة، لذا، هي لا تعرف استخدام التكنولوجيا، ومحركات البحث، مع هذا، تطلب منا أن نضع لها فيديوهات لروتينات يومية لسيدات يعشن في البادية ويستمتعن بحياتهن من وفي الطبيعة، وهي تنتظر جديدهن دائما. بدأ الأمر عندما جعلتها بنت أخي تشاهد سيدات مسنات من تركيا والأردن يطبخن في الهواء الطلق، ويشاركن بعض الوصفات، فيبدو أنها تأثرت ثم أدمنت”.
مسنات يودعن المذياع والتلفاز
إن المشهد الذي يرتسم لدى الكثير منا عن جداتنا في أوقات الفراغ، حين يجلسن إلى المذياع أو التلفاز لا يتوقفن عن الغزل أو الطرز أو العجن.. أصبح يعبر عن ماض لا يعود، خاصة في المدن. فقد كان هذا قبل أن تدخل الإنترنت إلى بيوتنا وتفرق أفرادها. تقول ماجدة: “تخلت جدتي عن التلفاز منذ اكتشفت الإنترنت، لا تنام قبل أن تشاهد درسا دينيا لأحد المشايخ، وقد اكتشفت مؤخرا حلقات الذكر التي تبث على المباشر، بدأت تختلي بنفسها أمام حاسوب المنزل لساعات أحيانا، هي تعتقد أن هذا مفيد لها فحسب، لكن طبيبها يحذر بشدة من آثار الأشعة على عينيها ودماغها، ومن الجلوس المطول دون حركة، فقد يسبب لها مضاعفات ترتبط بالدورة الدموية والمفاصل”. ومن الطرائف التي تسردها ماجدة بعد تحصل جدتها على الإنترنت: “اتصلت بي يوم الجمعة صباحا، وطلبت مني إحضار سماعات بجودة عالية، وألا أزورها قبل أن أتحصل عليهما، وأكدت علي بألا أقتني لها النوعية الرديئة”.
اللمة العائلية في خبر كان جداتنا يضعن تقاليدنا جانبا وينشغلن بالتكنولوجيا
“كنا إذا التقينا عند جدتي، انشغلنا بهواتفنا عن حكاياتها الجميلة، وتركناها تعد لنا أطباقا تقليدية لوحدها، ثم نجتمع نتناولها على عجل ونعود إلى العالم الافتراضي، حتى أرسل خالي هاتفين ذكيين، واحد لجدي وواحد لجدتي، فأصبحنا نجلب البيتزا للغذاء وكعك المحلات للقهوة، بدءا من البغرير والمحاجب والشخشوخة.. هي اليوم تتحجج بزوال صحتها، لكنها أيضا تقضي كل وقتها على اليوتيوب، تشاهد المسلسلات وفيديوهات الطبخ..”
أما رحيمة، فقد أبدت حسرتها وتعجبها الشديد من حال جدتها وخالاتها، حين اقترب زفافها وراحت تسألهن عن التقاليد، فإذا بكل واحدة منهن تفتح هاتفها لتطلعها على الجديد، تقول: “أخبرتني جدتي أن بعض ملابسنا التقليدية أصبحت دقة قديمة، وراحت تسرد لي كيف شاهدت تصاميم عصرية أنيقة للبلوزة والمنسوج واللباس وغيرها عبر اليوتوب، لقد خيبت ظني.. حتى عادات الإطعام والضيافة فضلت جدتي أن نتخلى عما عهدناه ونكتفي بحفلة في القاعة، دون فلكلور ولا أجواء عائلية.. هكذا يفعل الناس لتفادي التعب”.
الإنترنت تسيطر على جميع الفئات ومحاولة منع ذلك يحدث الضرر
يشير الأستاذ في علم الاجتماع، لزهر زين الدين، إلى أن أي محاولة لاسترجاع الأشخاص من إدمان مشاهدة المحتويات سواء الهادفة أم الهادمة، ستكون له عواقب على نفسيتهم أولا، وعلى علاقتنا بهم أيضا :”يجب أن نعترف بتغير العالم، فعند ظهور الإنترنت، كنا نحذر الشباب والمراهقين من استخداماتها، ثم أرعبتنا تأثيراتها على الأطفال، لا يمكننا حاليا أن نمنع كبار السن عنها، لقد غزتنا بالكامل وأصبحنا نعيش بها ومعها، علينا أن نتأقلم مع كل فرد يستخدم الإنترنت ويستوحي حياته من اليوتيوب والمواقع الأخرى”.