الرأي

جرائم الدولة.. السيبرانية

عمار يزلي
  • 723
  • 0

عندما نتحدّث اليوم عن السيادة، وعن الاستقلالية الغذائية والاقتصادية بشكل عامّ، وعن الاستقلالية الأمنية، فكل هذه “الاستقلاليات” هي من صميم الأمن الوطني والقومي العامّ: غذائيا كان أو سياسيا، ماليا، اقتصاديا، تجاريا، فلاحيا، صناعيا… أو ثقافيا، وهنا بيت القصيد: ثقافيا: هذا الشق الأخير يشمل الجميع، لأنه المظلة الكبرى للحماية الوطنية والسيادة. كل هذا لا يتأتى أوّلا إلا بقرار سياسي سيادي شعبي عبر دستور شعبي، وعبر انتخابات ديمقراطية شعبية وعبر مسار ديمقراطي ينخرط فيه الجميع ويتموقع فيه الكل: كلٌّ على شاكلته، في جو متناغم، حتى مع الاختلاف: إذ لولا الاختلاف في التناغم لما كانت الموسيقى، والمايسترو هو ربان السفينة المبحِرة وسط عالم كله محاذير ومطبات ومخاطر: برا وبحرا وجوا… هذا الأخير الذي انتقل اليوم إلى الوسط “الأثيري” عبر الهجمات السيبرانية.
كل هذا، لنقول إن الطفرة الاقتصادية في بلادنا، منوطة بمدى جاهزيتنا سياسيا وأمنيا، للاستثمار في الإنسان وفي العقل وفي الاختراعات والذكاء الاصطناعي، لسد ثغرات كبرى في المنظومة العالمية للحماية من مخاطر الغزو الإلكتروني التي، بعد تلك التي حدثت في لبنان وما أقدم عليه الكيان المجرم، الذي لا يرعى أي حرمة ولا حقّا إنسانيا ولا وسائط عامة مدنية في الأصل، هذه الثغرات التي استغلت وقد تستغل أخرى منها، لتحولها إلى أداة جريمة عشوائية وجرائم وإرهاب دولة وإبادة وتقتيل وسفك للدماء وكل الأسماء التي يمكن أن تُطلق على مثل هذا الفعل الأول من نوعه منذ أكثر من 6 آلاف سنة، تاريخ نشأة الحروب بين البشر.
ما حدث في لبنان، يمكن بشكل بسيط أن يحدث في أي مكان وبدون سابق إنذار. كما يمكن للجماعات الإرهابية أن تستغل ثغرات في مجال الأمن السيبراني التي تتوفر عليه هذه المنتجات، وقد تتحول أجزاء عاملة منها مسبقا، إلى متفجرات موجَّهة للقتل ومنها البطاريات المصنوعة من الليثيوم.
هذا العمل يقودنا إلى التكتل والاتحاد وضبط عقارب ساعتنا على مصلحنا الوطنية وأمننا الوطني والقومي: يتأتى هذا أولا عن طريق استكمال المنظومة القانونية لاستعمال مثل هذه الوسائط بما فيها الهواتف الذكية، وإنتاج المكوِّنات الداخلية بما فيها البطاريات والشرائح الإلكترونية وباقي المكوِّنات، محليا بشكل كامل. قبل أن نصل إلى ذلك، نؤمِّن المصدر عبر المراقبة ودفتر شروط صارم عند المنشأة وعند التصدير وعند النقل.
الهواتف الذكية ليست بمعزل الآن عن هذا التهديد، هذا إضافة إلى التهديد الذي يطالها عند التصنيع وعند الاستعمال عبر الثغرات الأمنية فيها، كما في أجهزة الكمبيوتر الكبرى والعادية: التجسس على الخصوصيات والأمن الوطني. لهذا كان على القيادة السياسية في العهد السابق أن تحرص على ضبط المقتنيات من هذا النوع ومراقبة ومنع كل التعاملات مع المؤسسات غير الصديقة، أو تلك التي تتعامل مع جهات معادية. غير أن هذا لا يكفي، لأن عملية الإنتاج جد معقدة، ونسبة الاندماج فيها يُخضعها لتعدد مصادر التجميع لكل العناصر المكونة ذات المناشئ المتعددة.
سنكون في حالة أمن فقط عندما نتمكن من الوصول ولو بالتدرُّج إلى إنتاج أمننا الشامل بأنفسنا: فالأمن هو منتج في نهاية المطاف، وليس هِبة، وعلينا أن نكثِّف الجهود عبر الاستثمار في العقل وفي الفكر وفي الطاقات البشرية والتكوين أوّلا، ثم في منظومة المراقبة والمتابعة والرقابة القبلية والبعدية وفي أثناء التشغيل وخلاله، لاسيما وأن الأثير أصبح ساحة منافسة كبرى، لن يكون بالإمكان لبلدان نامية صغرى أن تنمو بعيدا عن هيمنة الكبار و”احتلال” الفضاء والأثير والأنترنت واختراق منظومات الاتصال والمراقبة والتتبُّع وتحديد المواقع.

مقالات ذات صلة