الجزائر
عوض الاستغفار والاستعاذة

جزائريون جبلوا على الكلام الفاحش حتى في رمضان

الشروق أونلاين
  • 4055
  • 3

بالرغم من أننا في شهر التوبة والغفران إلا أن الكلام البذيء لازال يعرف انتشارا واسعا وسط المجتمع الجزائري إلى درجة أن الألفاظ المخلة بالحياء ومشتقاتها تكاد تعاشر الجميع سواء في الشوارع أو الأماكن العمومية

والملاعب وحتى البيوت مع حضور قوي لـ”الكفارجية” الذين انقطعوا عن الأكل في هذا الشهر، لكن كفرياتهم التي تصم الآذان لا زالت تطلق في كل اتجاه دون أدنى احترام لحرمة هذا رمضان.

حدث أن اصطدمت سيارتين وسط مدينة سطيف فنزل السائق المتضرر وأمطر خصمه بوابل من الشتائم التي امتدت إلى سب والدته وانتهاك عرضه فكان فم هذا السائق كالرشاش الذي يطلق رصاصات كلامية تخرق الأذن، وكان وقعها بليغا لأنها تزامنت مع خروج المصلين الصائمين من المسجد. وفي مشهد آخر بسوق المدينة تشاجر تاجران بسبب مكان عرض البضاعة فكان رد فعل أحدهما بالثقيل، حيث قذف زميله بـ “كفرية” من النوع الغليظ، كادت الجدران أن تنقض من شدّتها. وفي شجار آخر بين طفلين كانت الكلمات الخادشة للحياء

والكفريات اللغة الوحيدة المستعملة في التراشق اللفظي بين الطفلين. والأدهى من كل هذا هناك أم نادت ابنها ليشتري لها بعض الأغراض، فرد عليها بكلام قبيح كادت العمارة أن تسقط من شدة وقعه. ومثل هذه المشاهد تكاد تعمم على كل الأماكن العمومية عبر التراب الوطني، خاصة مع اقتراب موعد الإفطار وهو ما يطرح أكثر من تساؤل حول تمسك البعض بهذا النوع من المعاصي رغم عزوفهم عن غيرها في هذا الشهر الفضيل. وهل يعتبر الكلام القبيح أفضل وسيلة لترجمة الغضب وإذلال الآخرين وإظهار التفوّق عليهم . ولماذا يبقى الكلام البذيء أكثر انتشارا بالشرق الجزائري، في حين أن حدته تقل في الوسط والغرب والجنوب. والمحيّر أن الأطفال الصغار لم يشذوا عن القاعدة وأضحوا من الفئات الأكثر تفوّها بالعبارات المخلة بالحياء.

فالكلام البذيء يشمل كل الألفاظ التي تخدش الحياء والمستنكرة اجتماعيا والتي تعتبر نوعا من العدوان اللفظي، وفي بلادنا هناك قاموس ثري للكلمات البذيئة التي طورها البعض حسب الحاجة والموضة. وهناك صنفين من الكلام البذيء الأول يتمثل في سب الغير، وإهانتهم  بكلام جارح يخدش الحياء، بينما الصنف الثاني، وهو الأدهى فيتعلق بسب الرب والعياذ بالله، ويعرف بالعامية باسم “الكفريات”، وهي الظاهرة التي عرفت تفاقما وأصبحت تتداول بكثرة رغم خطورتها ووقعها السيئ على أذن كل مسلم غيور على دينه. في السابق كان الكلام البذيء محدود الانتشار ولا يسجل حضوره إلا في المشادات

والشجارات العنيفة ولا يكاد يصدر إلا من بعض المتمردين بينما في الوقت الحالي فقد توسع كبقعة زيت تلطخت بها كل الفئات واكتسحت مختلف الأماكن العمومية والخاصة. وعند تصفح الأماكن التي يكثر فيها الكلام البذيء في بلادنا نجد أن ملاعب كرة القدم تتصدر القائمة دون منازع، فلو كان هناك ميزان لتقدير كمية الكلام البذيء الذي تنتجه ملاعبنا لوجدنا فائضا معتبرا يمكن تصديره إلى الخارج وبإمكاننا رميه في البحر، كما ترمي أمريكا القمح الزائد عن الحاجة. ولو فعلنا ذلك لفر السمك بجلده من الصدمة لأننا نملك كما هائلا من المصطلحات التي لا تحتملها أي أذن. والملاحظ أن التلفزيون الجزائري يكاد يكون الوحيد في العالم الذي يقطع الصوت أثناء مقابلات كرة القدم بسبب الكلام البذيء الصادر عن الجمهور، مما يعني أننا أمام ظاهرة نكاد ننفرد بها عن غيرنا، وفي الوقت الحالي يجد الأب نفسه في حرج كبير عندما يصطحب ابنه معه إلى الملعب لأنه عندما تنطلق موجة السب تجده لا يقدر على إصدار أي رد فعل ويحاول أن يلعب دور الأصم أو يحاول أن يحوّل اهتمام ابنه حتى لا ينهار جدار الاحترام بينهما. ويحكى أن أحد الأبناء سأل والده في مثل هذا المواضيع: لماذا يسبون بعضهم البعض يا أبي؟ فبهت الوالد ولم يجد أي إجابة يقدمها لابنه ومن يومها اتخذ قرار بعدم اصطحاب ابنه إلى الملعب.

وينبغي الاعتراف أن الكلام البذيء موجود في مختلف الأماكن بما فيها البيوت والمدارس والإدارات والمحلات، وهو يصدر من الشبان والمراهقين بالدرجة الأولى ومن الكهول والشيوخ وحتى النساء والأطفال بدرجات متفاوتة وبالتالي فإن المسألة تبدأ بالوازع الديني والتربية داخل المنزل فإذا كان الوالد يتفوّه بالكلام البذيء داخل البيت ويضحك لابنه عندما ينطق بكلمة غير لائقة فإن الخلل يكمن في هذه الزاوية. وحسب المختصين فإن عوامل تلفظ الأطفال بالكلام البذيء مرتبطة بتقليد الكبار ومحاولة لفت انتباههم، كما يأتي هذا التصرف أيضا من الشعور بالإحباط والغضب، فيعبر عنهما الطفل بالتفوّه بعبارات غير لائقة. وينصح المختصون بعلاج هذه الظاهرة من خلال تجاهل الطفل إذا استخدم الكلام البذيء، خاصة إذا كان عابرا ولم يستخدمه من قبل وتجنب الضحك مع الطفل أثناء قيامه بهذا الفعل وينبغي أن نشرح للطفل بأن هذا الكلام يعبر عن عدم احترامه للآخرين وينبغي عدم استخدامه، كما ينصح المختصون الأولياء بتعويد الطفل على التعبير عن الغضب والإحباط بعبارات مقبولة ونقية كأن يلجأ إلى الاستغفار أو الاستعاذة من الشيطان الرجيم أو الحولقة، وهي العبارات التي سيتعوّد عليها ويبقى يرددها كلما انتابته لحظة غضب كما ينبغي التركيز على تعاليم ديننا الحنيف، وما تضمنه القرآن الكريم في هذا الموضوع كقوله تعالى:”لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم”، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر” رواه البخاري، وقوله: “ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء”. رواه الترمذي

مقالات ذات صلة