جزائريون ضحايا بائعي الكلام.. مليونا سنتيم في 4 ساعات!
رغم أن مصطلح التنمية البشرية ليس جديدا، حيث دخل أول مرة ثقافة الجزائريين منذ 13 سنة، وتحديدا سنة 2003، إلا أنه لقي في الأشهر الأخيرة رواجا كبيرا لدى فئة الطلبة والأخصائيين النفسيين، وكذا رجال الأعمال، الذين يبحثون عن سبل جديدة لتطوير أنفسهم وقدراتهم، ومستعدين لدفع الملايين، مقابل الخروج بشهادات، تجعلهم مصنفين ضمن خانة ذوي الكفاءات.
وتفيد الأرقام التي تحوزها “الشروق”، أن تكلفة اليوم الواحد الذي يعادل تكوينا لا يزيد عن 4 ساعات، تتراوح بين 4000 دج وما يصل مليوني سنتيم، حسب نوعية الدورة ودرجة المدرب، ومستوى المركز.
ويؤكد مصدر ذو صلة بالملف، أن أول من أقحم هذا المصلح في حياة الجزائريين الكويتي طارق سويدان، ليلقى بعد ذلك رواجا منقطع النظير لدى فئة المهووسين والمرضى نفسيا، وحتى رجال الأعمال الباحثين عن التفوق والأساتذة والمعلمين والأطباء والطلبة والنساء الماكثات بالبيت، واللواتي يمثلن ثلثي المسجلين، ويحصي المختصون أزيد من 100 مركز للتدريب في الجزائر ـ إلى حد كتابة هذه الأسطرـ في حين لم يتم إلى حد الساعة تحديد الجهة الوصية المخولة بالإشراف على هذه المؤسسات المتنامية كالفطريات.
ويؤكد المصدر نفسه أن معظم الممارسين الجدد، جزائريون تتلمذوا على أيدي مدربين سوريين وكويتيين، إضافة إلى سوريون قدموا عبر اللجوء، وينظم كل مركز ما لا يقل عن 10 دورات تدريبية كل سنة، ويعادل متوسط الدورة 3 أيام، كما يمكن أن تنظم دورة لمدة يوم واحد على طول 4 ساعات، وقد تستمر الدورة إذا كان موضوعها شديد الأهمية لأسبوع، في حين أن المدربين يفصلون في التسعيرة حسب جهوية الدورة، بين دورات محلية وأخرى دولية، تستدعي الإقامة في فنادق والتنقل إلى ولايات أخرى، ويشتكي معظمهم عندما نحدثهم عن انحرافات التنمية البشرية في الجزائر، من ممارسات دخلاء على المهنة، فحسبهم، التنمية البشرية التي نشأت سنة 1991 بأمريكا، أصبحت اليوم ممزوجة بالسحر والشعوذة.
وعرفت ظاهرة الدورات والأنشطة الممارسة تحت غطاء ما يصطلح عليه بـ”التنمية البشرية”، مخالفات وصفها الكثير من الباحثين والمتتبعين بالخطيرة، بالنظر إلى عدم جدوى أغلبيتها، في ظل طغيان الطمع المادي بعناوين وشعارات سحرية تجلب الانتباه، ولا تحقق المتعة اللازمة من الناحية العلمية والتكوينية والممارساتية.
وإذا كان الكفيف لحسن فروج الذي يصنع الحدث رفقة شقيقه حسين دراسيا وإبداعيا بباتنة قد أكد لـ”الشروق” أنه ناشط كمدرب في التنمية البشرية، واصفا إياها بالمهمة في تغيير أفكار الإنسان إلى الأفضل، ولعب أدوار أساسية في المسار الدراسي والإبداعي للتلميذ والطالب، إلا أن العديد من الباحثين والمتتبعين يحذرون من الانعكاسات السلبية في هذا الجانب، حيث ترى المبدعة والناشطة الاجتماعية عائشة بلجيلالي أن الأصل في التنمية البشرية، هو تنمية القدرات التعليمية والخبرات للشعوب والأفراد، وتزويدهم بمعلومات علائقية أو معرفية لم تكن لهم القدرة الكافية للإلمام بها، ولكن للأسف صرنا نرى أن هذه الأخيرة تحولت إلى مصدر رزق الجهلة بأنفسهم، من خلال استغلال الاسم لأغراض مادية لاستنزاف جيوب الطامحين للتعلم، فصارت التنمية البشرية حسب عائشة بلجيلالي محط نفور من أغلب الشباب الذين خيبهم الاجترار النظري غير التطبيقي.
“كيف تحلب النملة” و”كيف تعلم ابنك الحمار من دون تكرار!”
ويستغرب الكثير للجوء الممارسين في التنمية البشرية إلى أساليب غير مبررة لكسب ود مريديهم، بغية الكسب المادي مقابل وصفات سحرية من الناحية الظاهرية، وغائبة الجدوى في الشق الميداني، ويرى الأستاذ الجامعي باديس لونيس أن التنمية البشرية كعلم وممارسة في الغرب، تكون قد ساهمت وتساهم في تطوير الأفراد ومن ثم المؤسسات، وقد تكون هناك تجارب مهمة في البلدان العربية خاصة مع الدكتور إبراهيم الفقي، ولكن مع انتشار حمى التدريب والدورات التدريبية في الآونة الأخيرة مع ما تدره من أموال سهلة وسريعة، فإن الواقع صار أكثر إثارة للتساؤل حول فعاليتها الحقيقية مع ما تنتهجه من تعميمات مبالغ فيها ضمن سياقات ثقافية مختلفة ومغايرة.
ويؤكد المتحدث “أعتقد أنها صارت تجارة أكثر منها شيئا آخر تقوم أساسا على بيع الكلام الذي سرعان ما ينكشف زيفه حين يفتر الحماس”، معتبرا أنها تجارة ساعد في انتشارها بحث الناس عن أسباب النجاح السهل والسريع وانخداعهم بالكم الهائل من الشهادات المعتمدة ومتعددة التسميات لشباب يصفون أنفسهم بالمدربين العالميين، يقنعون مريديهم بعناوين مثل: “كيف تحلب النملة”، و”كيف تعلم ابنك الحمار بدون تكرار”….
أطماع عن السعادة السحرية لاستغلال جيوب الباحثين
يؤكد الدكتور بدر الدين زواقة الذي درّس في قسم الشريعة لجامعة باتنة وجامعات خليجية، أن التنمية البشرية ممارسة وسلوك قبل أن تكون معرفة وتدريبا، معتبرا أن جل الناجحين يمارسون استراتيجيات النجاح وفنيات التنمية البشرية من دون معرفتها كعلم ومعرفة، فكانت حسب وجهة نظره التنمية البشرية مسمى تمارس من قبل الناجحين والمبدعين قبل أن يكون اسما وتدريبا، وتأسف الدكتور بدر الدين زواقة بسبب تحويل البعض لمختلف صنوف المعرفة إلى تجارة ودكاكين، فضاع حسبه الهدف وغابت الرؤية من التنمية البشرية وتطوير الذات، كما اعتبر غياب الدولة في ضبط السلوك المعرفي للمجتمعات سببا في ظهور فوضى الدروس الخصوصية وروضات الأطفال ودورات التدريب والرقية، وأوضح أن التنمية البشرية في الأصل تجاه معرفي واستراتيجية سلوكية في تطوير الذات، ومن المفترض أن تحتضنها الدولة في مؤسساتها.
ندوات أصبحت شبيهة بممارسات الدجل والرقية
وفي السياق ذاته، يشير الأخصائي الاجتماعي عادل سلطاني من تبسة، إلى أن هذه الظاهرة أصبحت تتم تحت غطاء فضفاض يسمى التنمية البشرية، وبطابع مادي تجاري تحت دعاوى كثيرة يراها مضللة ومزيفة للوعي، وعلى رأسها ما يسمى البرمجة اللغوية العصبية، وتركيزها على مفاتيح النجاح السحرية حسب اتجاهات المدرسة الفقية، وأكد محدثنا أن أسرار النجاح ليست عيبا، ولكن ما يعاب هو عدم التخصص من طرف أغلب الممارسين، ما جعل كل من هب ودب يصبح ناطقا باسم تنمية الموارد البشرية، في الدورات التكوينية والندوات والأيام المفتوحة التي تقام هنا وهناك، لتصبح هذه الظاهرة حسب الأستاذ عادل سلطاني شبيهة بالدجل الممارس تحت غطاء الرقية.