جزائريون يتداولون صورا ثورية نادرة تخليدا لذكرى نوفمبر
علي كحلان: المطلوب مرصد للذاكرة الرقمية يُديره شباب وصحفيون
بادر العديد من رواد منصات التواصل الاجتماعي عبر مختلف الولايات إلى نشر صورٍ قديمة تحتفظ بها عائلاتهم منذ عقود، وتوثّق لمراحل من الكفاح التحريري، وهذا بمناسبة الذكرى الـ71 لاندلاع ثورة نوفمبر المجيدة، وهي صور تكشف جوانب إنسانية من حياة المجاهدين والشعب خلال فترة الثورة.
وهذه الصور باللون الأبيض والأسود، تم تعديل بعضها وتلوينها، بعد أن كانت محفوظة في ألبومات خاصة أو صناديق قديمة، لتصبح اليوم جزءا هاما من الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري.
وتأتي هذه المبادرة بعد أن كانت وزارة المجاهدين وذوي الحقوق، وبالتنسيق مع مؤسسات الأرشيف الوطني، قد أطلقت حملة وطنية لجمع الصور والوثائق التاريخية التي بحوزة المواطنين، بهدف إثراء أرشيف الثورة التحريرية، بحيث تجاوب العديد من الذين يحتفظون بصور قديمة مع هذه المبادرة، وسلّموا وثائق وصور نادرة تكشف أحيانا جوانب سرية تتعلق ببعض المجاهدين والمعارك التي ربما لم تتحدث عليها كثيرا وسائل الإعلام.
ورغم نشر بعض الصور والوثائق بطريقة عفوية، أو من دون قصد المشاركة في المبادرة، إلا أنها، وحسب بعض المؤرخين، تعتبر مصدرا تاريخيا هاما لا يقل في دوره التوثيقي عن الوثائق الرسمية، فهي تعكس بصدق ملامح الأشخاص وملابسهم وبيئتهم، ومشاعرهم في تلك الحقبة، كما أن رقمنة هذه الصور وإدراجها في قاعدة بيانات وطنية من شأنها أن تعطي صورة تاريخية واضحة للأجيال.
صور في السجن وأخرى في القرى لمجاهدين مع قادة الثورة
انتشرت، تزامنا والاحتفال بثورة التحرير الوطني، صور قديمة لمدن جزائرية داخلية، بعضها تتعلق بمناطق يتواجد فيها المعمرون، وأخرى في محطات القطار، وفي الميناء، وأخرى تكشف عن حالة مزية لوضع بعض الجزائريين، وتعود بعض هذه الصور إلى ما قبل الثورة وإلى بداية التواجد الاستعماري.
وتنافست بعض منصات التواصل الاجتماعي، التي تحمل اسم بعض المدن الداخلية، على نشر الصور النادرة، ففي صفحة “قصر البخاري”، نشرت صورة لبعض المجاهدين، وهم يتواجدون في معتقل مراند “بوغار” بقصر البخاري، كما نشرت صورة لتواجد فرنسيين بمحطة القطار، وتحمل صورا لنساء فرنسيات وهن ينزلن من القطار، وإلى جانب ذلك يظهر بينهم جزائريون.
ولجأت بعض الصفحات إلى إعادة نشر فيديوهات وصور مؤثرة تتعلق بما اقترفه الاستعمار الفرنسي في حق المجاهدين وسكان القرى، والشعب الأعزل، فصورة الشهيدة علجية فوغالي، التي تنحدر من آقبو ببجاية، تصدرت الكثير من المواقع، فهي صورة تعود إلى لحظات قبل إعدامها سنة 1957.
ونشر المغترب الجزائري ببريطانيا، أحسن بوشا، عبر صفحته في “الفايس بوك”، العشرات من الصور النادرة تعود أكثر لمنطقة جيجل، وهي تحمل حقائق كثيرة عن وضع المجاهدين في الجبال أثناء الثورة، والحالة المزرية لبعض القرى في هذه الفترة، بينها صورة لمجاهدين يصلون، حيث علق عليها كاتبا “صورة رائعة من زمن حرب التحرير.. الجنود في صلاة جماعة والحراسة قائمة”، كما نشر صورة لمجموعة كبيرة من المجاهدين يمشون في طريق وعرة نحو الجبال، وكتب “معاناة الآباء والأجداد مع جرائم الأوغاد.. لكنه شعب شجاع وصبور خاض أشرف ثورات التحرير”.
مواقع ثورية بامتياز
وأبدى أحفاد المجاهدين وأبناء الشهداء فخرهم بالمساهمة في احتفالات الذكرى الـ71 للثورة النوفمبرية، فبادروا إلى نشر الصور القديمة، وإلى نشر صور معدّلة بالذكاء الاصطناعي، كفعل وفاء لذاكرة أمة قاومت الاستعمار وقدّمت التضحيات من أجل الحرية.
ولم يكتف بعض رواد التواصل الاجتماعي بنشر الصور، بل إن القصائد الشعرية والأغاني الثورية كانت متواجدة بقوة، وكان لـ”إياذة الجزائر” مكانا واسعا بين تلك الصور والكلمات، التي عبّر بها شباب عن فخرهم الدائم بثورة ألهمت شعوبا دروسا في الكفاح المسلح، والحرية التي لا تأتي إلا بأيادي مضرجة بالدماء.
علي كحلان: ينبغي الحذر حول ما يتعلق بالثورة التحريرية
وحول الموضوع، أكد الدكتور علي كحلان، الخبير في التكنولوجيا والمعلوماتية لـ”الشروق”، أن نشر الصور القديمة لأحداث تتعلق بالثورة والاستعمار الفرنسي في الجزائر، يساهم بشكل جيد في ذاكرة الجزائر، لكن يجب أن يكون، بحسبه، هناك وكيل ذكي لهذه الذاكرة، مدرب على الأرشيفات الأصلية للثورة، يجيب على أسئلة الجمهور ويروي الأحداث بدقة وبالمصادر، مع توفّر بصمات رقمية تضمن أصالة الصور والفيديوهات التاريخية وتمنع التزوير والتلاعب بالمحتوى.
وقال إن إعادة بناء المشاهد التاريخية بالواقع المعزز أو الافتراضي، ليعيش الشباب لحظات من التاريخ في أماكنها الحقيقي، يتطلب الكثير من الحذر لعدم الوقوع في بعض المعطيات التي قد تكون زائفة وتسيء للثورة التحريرية ولتاريخ الجزائر ككل.
ودعا إلى تكثيف روبوتات تعليمية صغيرة عبر “الواتساب” أو “التيليغرام”، ترسل يوميا معلومة أو صورة أو اختبارًا تفاعليًا حول الثورة، ومرصد للذاكرة الرقمية يُديره شباب وصحفيون، يتتبع الأخبار الزائفة ويكشف التلاعبات التي تستهدف تاريخنا الوطني، وبهذه الطريقة يمكننا، حسبه، في الوقت نفسه حماية ذاكرتنا الجماعية وإحيائها، مع إعداد الأجيال الجديدة للدفاع المعلوماتي عن الوطن.