-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
لأنهم رفضوا القصدير ولا يعرفون الاحتجاج

جزائريون يسكنون داخل حاويات زبالة في قسنطينة

الشروق أونلاين
  • 3910
  • 5
جزائريون يسكنون داخل حاويات زبالة في قسنطينة
تصوير : مكتب قسنطينة

المكان ليس في أعماق الجزائر ومداشرها أو في أقصى الصحراء، حيث لا عين مسؤول رأت ولا أذن جمعية سمعت، ولا خطر ببال الجيران وأهل المنطقة..الزمان شتاء 2011، حيث لم ترتفع درجة الحرارة فوق الست درجات مئوية إلا نادرا، ومع ذلك ما زلنا نتفاجأ بمشاهد لجزائريين يعيشون في الأقبية وفي المغارات، وحتى في حاويات الزبالة الحديدية التي تجعل من حياتهم أقرب إلى حياة الحيوانات المفترسة.

  • للأسف فإن المشهد ممكن المتابعة بالعين المجردة لكل الناس، وهو يكاد يكون شاشة يمكن لرُبع الجزائريين مشاهدتها، ولكن للأسف أيضا الذين مروا من هنا عبر الطريق الوطني رقم 21 لا يلتفتون فهم صم بكم عُمي لا يعقلون.
  • فالمكان غير بعيد عن أكبر المؤسسات الاقتصادية بمنطقة بونوارة الشهيرة قرب مدينة الخروب بولاية قسنطينة، وهو على جانب الطريق الوطني الرابط بين قسنطينة وڤالمة، يفتح لأي عابر لهذا الشريان الحيوي مشاهدة المنظر على المباشر..مجرد حاويات حديدية تكتنز أسرا تأكدنا بأن أهلها لا حول ولا قوة لهم، منهم المعاقون والبقية ممن بلغوا من العمر عتيا.
  • في حاوية منذ 1971
  • كان أصعب ما في الموضوع بدايته، فالناس تعيش في قلب عاصمة الشرق، وهي بعيدة عن الزمان فما بالك بالمكان، الشيخ مصطفى رسم العمر في وجهه تجاعيد معنوية أكثر منها زمنية، فهو مشلول لا يتحرك إلا ليعود إلى النوم في مكانه بسبب الإعاقة، أما زوجته زهرة مسلف فنطقت اسمها ولقبها بصعوبة حتى تخيّلنا بأنها نست هويتها فهي تبلغ من العمر 66 عاما، وما تعلمه هو أن آخر طبيب زارته قال لها أنت في خطر، أنت محاصرة بمرضين تمكنا منك، هما السكري والضغط.
  • هذا البيت غير الصحي ضم أيضا أمين ابن الشيخ مصطفى، وابنتيه وصهره، كلهم يعيشون في الحاويات الحديدية منذ عام 1971 ..هم ليسوا من النازحين من الأرياف الذين تركوا خُضرة المكان لأجل زحمة المدن، وإنما تهدمت مساكنهم فعاشوا على الهامش مؤقتا كما وعدوهم، وتحول المؤقت إلى ألم مزمن.
  • تقول السيدة زهرة لـ “الشروق اليومي”، وهي لا تعلم أصلا ما هي “الشروق” وما معنى الصحافة: “كنا نقطن في بيت عائلي بحي عوينة الفول، وبعد الهزات الانزلاقية التي طالت الحي لم يكن إلى جانبي إلا زوجي المريض فعجزنا حتى عن تقديم طلب سكن أو تقديم شكوى فانتقلنا إلى بيت من طين ليحمينا ويأوينا ببلدية حامة بوزيان، لكن سنوات الإرهاب جاءت لتحوّل حياتنا إلى جحيم ففررنا إلى منطقة بونوارة أين سكنا عند أحد الأقارب في بيت بالقرب من محجرة، لكن المضيف لم يحتمل وجودنا لسنوات بدل أيام فاستسمحنا بالخروج بحجة إعادة ترميم بيته، فلم نجد حلا سوى نصب خيمة من البلاستيك بجانب وادي بونوارة”، وتقول السيدة زهرة أنها مع اشتداد البرد وجوع أبنائها الصغار كانت تمد يدها لإطعامهم.
  • أحقر من أي سجن في العالم
  • في شتاء 1999 جرف الوادي الخيمة بما فيها من أغراض، وهنا يروي الشيخ مصطفى الحكاية .. كانت ليلة لا تنسى فبينما كنا نغط في نوم عميق داخل خيمة على ضفاف الوادي في عز الشتاء تهاطلت الأمطار بغزارة ولم نجد غير الهروب، وتركنا أشياءنا لنجد مع طلوع فجر اليوم الموالي أنفسنا لا نمتلك سوى أجسادنا فلجأنا إلى هذه الحاويات الحديدية.
  • حاويات أسوء وأقسى من أحقر سجن في العالم، نسينا الشيخ وزوجته ورُحنا نتأمل المكان أو الحاوية الحديدية، هي عبارة عن جدران حديدية وسقف حديدي متلاش ومثقوب، نوافذ أو لنقل منافذ بلا زجاج وفناء من قصب صنعه الابن أمين، ففي الشتاء يفقد السقف دوره فيفيض عليهم البيت بالمياه جراء الأمطار، وفي الصيف تلعب الجدران دور المدفئة الحارقة، وليس لهم من حل للفرار من الرطوبة وشدة البرودة التي تتسرب عبر المنافذ والثقوب سوى وضع كراتين من ورق وكانون حطب ليجتمعوا من حوله، أما الإبن أمين فهو لم يجد حلا سوى النوم في هيكل سيارة قديم بجانب البيت بحثا عن الدفء .. أمين يقول.. “من حظي أن حادث مرور قاتل وقع هنا، فاستفدت من شبه سيارة قرب شبه كوخ تأويني، ويمكنني بها أن أترك متسع من المكان لأفراد أسرتي، مع العلم أن شبه البيت غير مزوّد طبعا بالغاز الطبيعي لأن الجدران من حديد ولا يمكن تثبيت أنابيب الغاز عليها وغير مزوّد طبعا بالماء .. والغريب في الأمر أن هذا البيت الحديدي يقع على حافة الطريق الوطني الرابط بين ولايتي قسنطينة وڤالمة، ولم يلحظه أي مسؤول، إلا البعض منهم، حيث قاموا بزيارة بيت الشيخ مصطفى لأكثر من مرة ووعدوه بمنحه سكنا اجتماعيا ولكن من دون جدوى.
  • ليت المأساة اقتصرت على الشيخ مصطفى وعائلته فقط بل هناك خمس عائلات أخرى تسكن بجانبهم في هذا البيت الحديدي، وفي نفس الظروف القاسية، من بينهم أسرة المجاهد عمارعوي البالغ من العمر 80 سنة، وهو مصاب بالشلل منذ سنوات، وزوجته المعاقة عاشوري فضيلة البالغة من العمر 58 سنة، لديه خمس بنات كلهن ماكثات في البيت عدا طالبة جامعية، وأربعة شباب كلهم بطالون، وليس لديهم من دخل سوى بعض الأعمال الحرة، وللسيد عمار ابن متزوج يقطن معه في نفس الجحر وله طفلين، فبالإضافة إلى الحالة الصحية المتدهورة لكل من الأب والأم فإن المعاناة الاجتماعية أكبر.
  • لا أحد يلتفت للصامتين
  • السيد حمادة بوجدور غلبته دموعه وهو يروي لـ “الشروق” حكايته:”أسرتي تتكون من زوجة وطفل وحيد، بدأت معاناتنا منذ سنوات طويلة، فأنا أعمل حارسا في المتوسطة الوحيدة الموجودة في المنطقة، حلمت بالتثبيت في منصبي وأنساني ذلك البحث عن الأحسن”، هكذا ختم حديثه وهو يقول:”لقمة العيش ولا شيء سواها”.
  •  أسرة أخرى رفضت أن تتحدث إلينا تشترك مع السابقين في نفس المهانة، وهي أسرة المرحوم “ط.خ”، التي بدأت معاناتهم منذ 1993 إذ كان الوالد المرحوم يسكن هو وأسرته المكوّنة من زوجته “ج.م” البالغة من العمر 70 سنة، وابنه “ف.خ” البالغ من العمر 29 سنة، وابنته “ن.خ” البالغة من العمر 30 سنة، في بيت هش بالقرب من وادي بونوارة، إلى أن هدمه الوادي، في نفس السنة التي تهدم فيها منزل الشيخ مصطفى، فاضطروا إلى السكن أيضا في هذا البيت الحديدي، وبقيت معاناة السيد “ط.خ” إلى أن وافته المنية.. للإشارة فإن أسرة السيد عوي عمار انتقلت في نفس السنة إلى البيت الحديدي مع العائلات الأخرى تحت نفس الظروف.
  • توجهنا إلى المسؤولين في الخروب وولاية قسنطينة لنطرح عليهم قضية حاويات الذل الحديدية فوجدنا رجالا شدادا غلاظا يحتجون ويطلبون سكنا، وهم ساكنون، فاختصر لنا أحد المسئولين الحكاية في أن من لا يشتكي بل ومن لا يحتج بقوة لن ينال حقه، مشكلتنا في الجزائر أننا نفكر في منح العمل وإنجاز المحلات للذين اعتدوا على القانون، فسدوا الطرقات والأرصفة بطاولاتهم ونفكر في منح السكن للذين اعتدوا على الأراضي، وشوّهوا الأماكن بالقصدير أما الصامتين فلا أحد يلتفت إليهم، ففعلا البعيد عن العين عندنا بعيد عن القلب وبعيد جدا عن حقوقه وأهمها الكرامة.       
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • بدون اسم

    ان الاشكالية الجلية في النظام الجزائري هي فقد السيطرة على اللدات حيث اننا نجد انعدام تام لترشيد المال العام يليه سوء التسيير ثم تليه سياسة الاختلاس المستمر للمال دون ان ننسى المحاصصة النخبوية للريع من التقسيم الفئوي (مجاهدين ابناء شهداء ...)الى ان نصل الى الطامة الكبرى جنرالات (الزيت السكر السميد الاسمنت ...) اللدين اهلكو الحرث والنسل وجعلو هدا الشعب مستعبد مند انقلابهم على الثورة باتفاقية ايفيان اتفاقية الخيانة ومصادرة الثورة لابد من يوم ترجع الحقوق وتصان الاعراض لاهلها فاظلم زائل والحق دائم

  • بدون اسم

    تحيا الدولة تحيا بوتفليقة .....ارفع راسك يابا !!!؟

  • yazid

    OU SONT LES RESPONSABLES!!!!!!!!!!

  • بدون اسم

    lahawla wala kouwata ila bi lahe ou et largen de l algirie serakine

  • محمد الميلية

    لا اله الا الله محمدا رسول الله,حسبي الله ونعم الوكيل في كل من تسبب في معاناة المواطنين , بلاد الخيرات يحذث فيها كل هادا.