-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الذكاء الاصطناعي" و"تكنولوجيا النانو" لتحسين تدفّق المرور:

جزائر ما بعد 2024.. نحو جيل جديد للطرق والسيّارات والسائقين

إيمان كيموش
  • 9931
  • 1
جزائر ما بعد 2024.. نحو جيل جديد للطرق والسيّارات والسائقين
أرشيف

هل تخيّلتَ يومًا شوارع خالية من الازدحام، أو سيارات تتحرك بلا سائق، وتتخذ قراراتها بشكل مستقل؟ ماذا لو كانت إشارات المرور قادرة على التفاعل بذكاء مع المارة وتعديل توقيتها وفقًا لحركة السير؟ بل حتى تطبيقات المرور التي نستخدمها اليوم قد تصبح غدًا أكثر تطورا وقادرة على توجيهنا بعيدًا عن أوقات الذروة والطرقات المزدحمة.
في عام 2024، يشهد العالم تحوّلًا هائلًا تقوده ثورة الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد مجرد أداة تقنية تقتصر على الأقلّية، بل أصبحت قوة دافعة تُعيد تشكيل ملامح حياتنا اليومية، ويعدّ قطاع النقل أحد أهم المجالات التي استفادت بشكل كبير من هذه التكنولوجيا المتقدمة، إذ باتت تجارب المواصلات ميدانًا خصبًا للابتكار، ولم يعد الحديث عن السيارات ذاتية القيادة أو أنظمة المرور الذكية مجرّد خيال علمي في العديد من دول العالم، بل أصبح واقعًا يطرق الأبواب.
أما في الجزائر، وعلى الرغم من أن قطاع النقل لم يحقق بعد الطفرة المرجوّة، إلا أن تطلعات المواطنين نحو تجربة مواصلات جديدة أكثر أمانًا وفعالية أصبحت واضحة، خاصة مع تطوير تطبيقات رقمية تستند للذكاء الاصطناعي وبداية استخدام تكنولوجيا “النانو” التي تغزو هذا المجال أيضًا.
لكن قبل ذلك، يتوجّب على القائمين على قطاع النقل في بلادنا ألا يكتفوا بالقليل الذي تحقَّق في هذا المجال، فالكاميرات الذكية لمراقبة الطرقات، واستخدام شبكة “جي بي أس” لتفادي ازدحام المرور والمحاكاة لتحسين تعليم السياقة، وحتى التطبيقات الرقمية والذكية التي تحملها السيارات الجديدة المستورَدة بين عامي 2023 و2024، ينبغي أن لا تُعدّ سوى بداية لمستقبل واعد يتطلب تكاملًا أعمق وأوسع مع تقنيات المستقبل.

نظرة على طرقات الجزائر بين 2014 و2024
في شهادة لإلياس قمقاني، عضو لجنة النقل والمواصلات السلكية واللاسلكية بالمجلس الشعبي الوطني، يؤكد أن الجزائر شهدت بين عامي 2014 و2024 قفزات نوعية في مجال تحديث بنيتها التحتية للنقل والمواصلات، عبر استكمال إنجاز أجزاء كبيرة من الطريق السيار شرق غرب، وتجسيد مشاريع عملاقة للطرقات في الشمال والجنوب والهضاب العليا.
وشملت هذه المشاريع إنشاء طرق مزدوجة وجسور حديثة، مما ساهم في تحسين حركة المرور وربط مختلف مناطق البلاد، كما بدأ شقُّ طرقاتٍ عابرة للقارة وأخرى تربط الجزائر بدول الجوار مثل طريق الجزائر- موريتانيا والطريق العابر للصحراء.
وعزّزت الجزائر خلال السنوات العشر الأخيرة خطوط السكك الحديدية القديمة والجديدة، مما بات يُسهّل تنقّل الأفراد نحو عدة وجهات، ويأتي ذلك ضمن برنامج طموح لتطوير البنية التحتية وتحسين جودة حياة المواطنين.
وتتماشى هذه المشاريع مع برنامج مكثّف لتطوير الرقمنة في قطاع النقل، إذ أصبح بإمكان المواطن التنقّل إلى أي نقطة باستخدام الخرائط والتقنيات الحديثة وشبكة “GPS” التي توفر معلومات دقيقة حول حالة الطرق والوقت اللازم للوصول بين مختلف الوجهات، يقول قمقاني، كما قامت مديريات النقل بتحديث إشارات المرور بمناطق نموذجية لتصبح رقمية إلى حدّ ما مقارنة مع السابق، مع تنصيب رادارات وكاميرات ذكية لضبط حركة الطرقات ومراقبتها.
وأوضح قمقاني لـ”الشروق” أن الجزائر قطعت هذه الأشواط، في ظل التوجيهات الصارمة الصادرة عن أعلى السلطات في البلاد، مضيفا: “سجّلنا تطورًا ملحوظًا في مجال الرقمنة خلال السنوات العشر الأخيرة، كما جرى إطلاق عدّة تطبيقات لتسهيل تنقل المواطنين، واعتماد حلول مبتكرة تتيح حجز التاكسي عبر الهاتف”.
ويتحدّث قمقاني أيضًا عن بيع تذاكر النقل إلكترونيًّا لعدد من مؤسسات المواصلات، مما يسمح للزبائن بإجراء حجوزاتهم من دون مغادرة منازلهم وبمجرد نقرة زرّ، وقد بدأ تأثير هذه المبادرات يظهر بوضوح في الحياة اليومية للجزائريين.
ويؤكد عضو لجنة النقل أنّ “التحول الرقمي والتحديث في مجال النقل يُعدّان خطوة مهمة نحو تحقيق تنمية شاملة، ويساهمان في تسهيل حياة المواطن وتعزيز الاقتصاد الوطني، لكن أعتقد أن الجزائر اليوم ملزَمة بالتوجُّه نحو الذكاء الاصطناعي بقوة لتطوير قطاع المواصلات، وعدم الاكتفاء بالتطبيقات البسيطة أو التجارب السابقة رغم أهميتها”.

من محركات تقليدية إلى سيارات بتقنيات ذكية
وبالموازاة مع التطوّر الذي شهدته الطرقات ومحاولات رقمنة قطاع النقل، يلاحظ الجزائريون اليوم فرقًا كبيرًا بين السيارات المستورَدة قبل عام 2014 وتلك التي دخلت السوق الجزائرية بين عامي 2023 و2024، أي بعد رفع الحظر عن استيراد السيارات الجديدة، ويتجلّى هذا الفرق بشكل خاص في الخصائص والمزايا التي تقدمها المرْكبات المصنَّعة حديثا، إذ أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهي تقنياتٌ لم تكن متاحة في السابق.
وفي هذا السياق، يقول رشيد بخشي، رئيس بورصة المناولة والشراكة للغرب، في تصريح لـ”الشروق”، إن السيارات الحديثة تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتقديم تجربة قيادة آمنة، فعلى سبيل المثال، تحتوي معظم هذه السيارات على أنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS) مثل الكبح التلقائي في حالات الطوارئ، والتحذير من التصادم، والمساعدة في الحفاظ على المسار.
كما تعتمد العديد من هذه السيارات، على نُظم الملاحة الذكية، والتحكم الصوتي، وتكامل الهواتف الذكية مع أنظمة الترفيه في السيارة، بينما كانت سيارات الماضي تعتمد على أنظمة أقل تطورًا، تقتصر على الفرامل المانعة للانغلاق (ABS)، دون العديد من الخصائص التقنية المتوفرة اليوم.
وتتميز السيارات الحديثة بتصميمات داخلية متطورة تشمل شاشات لمس كبيرة متعددة الوظائف، وأزرار تحكُّم كهربائية، وواجهات رقمية بالكامل، بالإضافة إلى مقاعد قابلة للتعديل كهربائيًّا. وتحتوي السيارات الفاخرة حاليًّا على أنظمة إضاءة داخلية وأجهزة استشعار متطورة مثل مُستشعِرات المطر، أما سيارات الماضي، فقد كانت تصاميمها أبسط بكثير، مع أزرار وأدوات تحكم ميكانيكية تقليدية، وشاشات عرض صغيرة، وميزات أقل فيما يخص الراحة ومحركات تقليدية. وفي ذلك الوقت، كانت الميزات المتقدمة مثل الشاشات الرقمية الكبيرة نادرة ومحدودة على بعض الطرازات.
ويؤكد بخشي أن السيارات الحديثة تتمتع بمعايير سلامة أعلى بفضل أنظمة متطورة مثل مراقبة ضغط الإطارات، والكبح الأوتوماتيكي للطوارئ، وأنظمة منع الانقلاب، وأنظمة الوسائد الهوائية المتعددة، في حين أن السيارات القديمة كانت تعتمد على معايير أمان جيدة، لكنها أقل تطورًا، مثل الوسائد الهوائية الأمامية ونظم المكابح المانعة للانغلاق (ABS)، دون الأنظمة الذكية المعتمِدة على الذكاء الاصطناعي الموجودة اليوم. بالإضافة إلى ذلك، تتميز سيارات اليوم بإمكانيات اتصال متقدمة مثل تكامل الهواتف الذكية، والبلوتوث، والويفي، وحتى القدرة على تحديث البرامج عن بُعد، مع شاشات كبيرة تعمل باللمس وأنظمة صوت متطورة.
وتتضمن السيارات المصنَّعة حديثا كاميرات بزاوية 360 درجة، توفر رؤية شاملة حول محيط السيارة، إضافة إلى نظام المساعدة في الرَّكن الذكي الذي يساعد السائق في عمليات الاصطفاف بدقة وسهولة.
ويتم تزويد بعض السيارات بكاميرا المراقبة على لوحة القيادة التي تسجل كافة الأحداث أثناء القيادة. بالإضافة إلى ذلك، قد تتضمن هذه السيارات أنظمة التشغيل المتطورة (OS) التي تعتمد تكنولوجيا حديثة، إضافة إلى المزايا المتعلقة بالرَّكن (PK) لضمان تجربة قيادة آمنة، وتتيح التكنولوجيا المتوفرة في بعض المرْكبات حتى إمكانية تشغيلها من دون مفتاح.

تطبيقات “الطاكسي” والتوصيل.. الذكاء الاصطناعي موجود
إضافة إلى هذه التطبيقات التي تضمّنتها السيارات التي دخلت السوق الوطنية مؤخرا، فإنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد فكرة بعيدة في الجزائر، بل أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، يوضح أستاذ الذكاء الاصطناعي محمد لمين خرفي، مؤكدا أن تطبيقات “التاكسي” مثل “يسير” تستخدم هذه التقنية منذ مدة في الجزائر لتجنب الازدحام وتوفير الوقت، كما أن شركات التوصيل والتوزيع مثل “ياليدين” تستفيد من الذكاء الاصطناعي لتحسين خدماتها وجعلها أكثر كفاءة.
ويجزم أستاذ الذكاء الاصطناعي بالمدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي بسيدي عبد الله، في إفادة لـ”الشروق”، أن مؤسسة “يسير” أو “هيتش” على سبيل المثال تعتمد الذكاء الاصطناعي لاختيار الطرقات الأقل زحمة وإيصال الزبون من النقطة “أ” إلى النقطة “ب” في أسرع وقت ممكن، وأيضا مؤسسة توصيل الطلبيات “ياليدين”، وغيرهما من المتعاملين الذين يشتغلون في هذا المجال، إذ يستعين هؤلاء بشبكة رقمية ويقومون بتحليل البيانات وفرزها واختيار الطرق بذكاء.
ويعرِّف خرفي الذكاء الاصطناعي بأنه استعمال الآلة لمحاولة محاكاة ذكاء الإنسان، قد يكون ذلك عبر الهاتف المحمول أو كومبيوتر أو حتى سيارة ذكية تتعرف على ما تواجهه من مخاطر في الطرق وتتصرف بذكاء وتفرِّق بين المارة، وتدرك متى يجب عليها تفادي خطر الطريق، وأين يفترض التوقف، وما إلى ذلك من العمليات المندرجة في القيادة.
أما بالنسبة للذكاء الاصطناعي في قطاع النقل بالجزائر، فيؤكد خرفي أنه موجود عبر عدة تطبيقات -سبق ذكرها- إذ لا تختلف الجزائر مثلا عن الكثير من دول العالم التي تعتمد شبكة تحديد الأماكن “جي بي أس” لتفادي الازدحام.

لوحات ترقيم ذكية في المرْكبات قريبا
غير بعيد عن ذلك، تستعدّ وزارة الداخلية والجماعات المحلية لإطلاق مشروع طموح يهدف إلى تحديث لوحات ترقيم السيارات في الجزائر من خلال تزويدها بشرائح رقمية متطوّرة قادرة على تحديد هوية المرْكبة عن بُعد يصل إلى 30 مترا. وفي هذا السياق، صرّح ممثل شركة “سوفيكليه”، المكلفة بمرافقة الوزارة في تنفيذ هذا المشروع، محمد كراشي قائلاً: “سنقدّم الدعم لرقمنة لوحات الترقيم من خلال تزويدها بحساسات إلكترونية ومُستشِعرات عن بُعد، مما يتيح التعرّف على صاحب السيارة ونوعها دون الحاجة إلى توقيف السائق أو تعطيل حركة المرور، ما يخفّف الازدحام المروري وييسِّر مصالح المواطنين.”
وستُدمج شرائح رقمية داخل لوحات الترقيم، مما يتيح التعرف على المرْكبات باستخدام أجهزة استشعار متطورة، كما سيساهم هذا المشروع في تعزيز إجراءات ضبط المرْكبات المشبوهة، وأكّد المتحدث أن المشروع يتم بالتعاون مع شريك ألماني، إذ جرى تجهيز الشرائح الأولى واختبارها بنجاح على المرْكبات. وأشار إلى أن اللوحات الجديدة ستكون محمية ضد التزوير عبر تضمين شريط أمني شبيه بذلك المستخدَم في الأوراق النقدية لمنع استنساخها، مضيفًا: “نحن جاهزون تكنولوجيًّا، ننتظر فقط الضوء الأخضر من الحكومة للشروع في تعميم اللوحات.”

تعليم السياقة بالمحاكاة
بالموازاة مع ذلك، ولجت الرقمنة والذكاء الاصطناعي عالم السياقة أيضا؛ ففي الثالث من مارس الماضي، وقّع وزير الداخلية والجماعات المحلية، إبراهيم مرّاد، قرارًا يخص البرنامج الوطني لتدريب سائقي السيارات.
هذا القرار يسمح، ولأول مرة في الجزائر، باستخدام أجهزة محاكاة القيادة كجزء من برنامج التدريب، بشرط أن لا تتجاوز نسبة الاستخدام 20 بالمائة من الحد الأدنى للساعات المخصَّصة للدروس التطبيقية.
ويحدد القرار الحد الأدنى لساعات الدروس التطبيقية المطلوبة للحصول على رخص السياقة من الأصناف “أ”، و”ب”، و”و”، بـ30 ساعة، مما يعني أن استخدام جهاز المحاكاة يمكن أن يصل إلى 6 ساعات كحد أقصى.
ويعتبر نسيم لوشاني، خبير في التكنولوجيا والأنظمة الرقمية، في تصريح لـ”الشروق”، أن التدريب على القيادة باستخدام المحاكاة سيساهم في تحسين جودة تعليم السائقين الجدد، وسيوفّر هذا الأسلوب تجربة تعليمية متقدّمة تتيح تتبُّع تطور المتعلمين بدقة، مع تقديم إحصائيات مفصلة حول أدائهم الافتراضي.
كما يمكن أن يقدِّم هذا النظام توقعات مستقبلية حول قدرات المتدربين، مما يؤدي دورا هاما في تكوين سائقين أكثر كفاءة في المستقبل، يجزم المتحدث.

مصانع “روبوتيك” تحط الرحال بالجزائر
بحلول سنة 2022، عادت مشاريع تصنيع السيارات إلى الواجهة في الجزائر وذلك بعد صدور المرسوم التنفيذي رقم 24-159، المحدِّد لشروط تصنيع المرْكبات وكيفياته، كما أعلن عددٌ من العلامات الدولية استعدادها للتصنيع محليا، على غرار “ستيلانتيس” و”جيلي” و”شيري” و”بايك”، يقول رئيس بورصة المناولة والشراكة للغرب، رشيد بخشي.
وأبدى هؤلاء رغبتهم في تشييد مصانع أوتوماتيكية أو بتقنية “روبوتيك” مثل تلك المعتمَدة بالخارج مع التنسيق مع مناولين جزائريين، مع العلم أن الروبوتات في الجزائر ستتكفل بعمليات الطلي والدهان وإجراءات تكميلية، وليس التصنيع كاملا مثلما يجري في الصين على سبيل المثال، إذ تم بلوغ مستوى الجيل الخامس لتصنيع المرْكبات هناك، يضيف بخشي.
ووفق أسئلة طرحتها “الشروق” على “تشات جي بي تي” بخصوص كيفية قيام الروبوت بتصنيع المرْكبات في مصانع السيارات الحديثة، أكد في رده: “تعدّ مصانع السيارات الروبوتية منشآت تستخدم الروبوتات والتقنيات الآلية بشكل كبير في عمليات تصنيع السيارات بدلا من العمل اليدوي البشري في عمليات مثل لحام الأجزاء، تجميع المكوِّنات، الطلاء، والفحص، إذ تعدّ الروبوتات قادرة على أداء هذه المهام بدقة وفعالية عالية، مما يقلل من الأخطاء ويزيد من سرعة الإنتاج”.
ووفق المصدر ذاته: “تُستخدم الروبوتات أيضاً في إدارة المخزون، مثل نقل الأجزاء والمواد بين مختلف أقسام المصنع، إذ تتنقل الروبوتات بشكل آلي وتقوم بترتيب الأجزاء وتخزينها بشكل منظم، ويجري التحكم فيها عبر أنظمة مركزية، إذ يتم برمجة الروبوتات لتأدية مهام محددة وفقاً لخطط الإنتاج ويُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين أداء الروبوتات وتكييفها مع التغيرات في خط الإنتاج”.
ويمكن للروبوتات إجراء اختبارات الجودة على السيارات، مثل قياس الأبعاد والتأكد من سلامة التوصيلات واللحامات، مما يساهم في ضمان جودة المنتَج النهائي.
ومن جهته، يعود ليقول رئيس بورصة المناولة والشراكة للغرب: “بشكل عامّ، تهدف المصانع الروبوتية إلى تحسين الكفاءة والإنتاجية، وتقليل التكاليف وزيادة الدقة في تصنيع السيارات”.

“الرؤية الحاسوبية” و”التشغيل الآلي”.. ماذا ينتظر السائق الجزائري؟
يُتوقّع أن يشهد الذكاء الاصطناعي في الجزائر قفزاتٍ نوعية خلال السنوات المقبلة، خاصة في قطاع النقل، فبحسب الأستاذ خرفي محمد لمين، يمكن في المستقبل استخدامُ الذكاء الاصطناعي لتخفيف الازدحام المروري عبر تقنيات مثل “جي بي إس” المتصلة بشبكة “غوغل” في نسخة أكثر تطورا من الحالية، والتي تتيح التنبؤ بالمناطق المزدحمة وتوجيه السائقين نحو طرق بديلة، فضلاً عن تقديم نصائح للمشرفين على حركة المرور لتجنُّب الاختناقات.
كما يعتقد خرفي أن حوادث المرور التي تودي بحياة العديد سنوياً، يمكن الحدُّ منها باستخدام مستشعِرات لتصحيح مسار السائقين المتعَبين أو الذين يواجهون خطر النعاس في أيّ لحظة وهو السبب الرئيسي لحوادث المرور، بالإضافة إلى تقنيات “الرؤية الحاسوبية” التي يمكنها التعرف على سرعة المرْكبات وضبطها، ويمكن أيضاً استخدام تقنيات “معالجة اللغة” و”التشغيل الآلي”، وهي من فروع الذكاء الاصطناعي، لتفادي اصطدام المرْكبات، وتحسين كيفيات السياقة.
وفي قطاع النقل البحري والجوي، يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بأحوال الطقس لتقليل الحوادث، وهو ما بدأت الجزائر في تطبيقه منذ مدة عبر استشراف الأحوال الجوية في مناطق محدَّدة وتنبيه السائقين.
وفي الصحراء الجزائرية، حيث تشكل الجِمال تهديداً لحياة السائقين، يمكن تركيب مُستشعِرات للتعرف عليها وأيضا مستشعرات لتحديد مخاطر الرمال.
من جهته، يشير الأستاذ لوشاني نسيم، خبير في التكنولوجيا والأنظمة الرقمية، إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُستخدم لتحليل الصور والفيديوهات لرصد المخالفات المرورية ومدى التزام السائقين بالقوانين، مما يساهم في تقليل الحوادث وتعزيز النظام المروري. وبالنسبة للنقل الجماعي، يمكن للذكاء الاصطناعي عبر التطبيقات الذكية تقديم خدمات مثل تتبّع القطارات والحافلات في الوقت الفعلي، وتزويد المسافرين بمعلومات دقيقة حول مواقيت الوصول والمغادرة وتحسين جداول الخدمات.
وعلى المدى البعيد، يمكن أن يعتمد الذكاء الاصطناعي في مجال السيارات ذاتية القيادة، والتي تمثل تحولاً كبيراً في كيفية التنقل، إذ بدأت هذه المرْكبات بالانتشار في عواصم الدول المتقدمة، وقد تصبح السيارات ذاتية القيادة واقعاً في الجزائر يوما ما.

ثورة النانو: كيف ستُغيّر وجه قطاع النقل في الجزائر؟
غير بعيد عن تلك التجارب، تبرز أيضا تكنولوجيا “النانو” كتخصص جديد في عالم النقل، هذه الأخيرة يمكن أن تُحدث تحوّلاتٍ كبيرة في تطوير تقنيات السيارات وجودة الطرقات، وتحسين تدفق المرور، وفقًا لمدير المدرسة الوطنية العليا لعلوم النانو والنانو تكنولوجيا بالجزائر، حسان محمودي، فتطبيقات النانو في هذا المجال متعدّدة ومثيرة…
وتُعتبر تكنولوجيا النانو، مجالا علميا متقدما يركز على دراسة المواد والتحكّم بها على مقياس النانومتر، وهو جزء من المليار من المتر، إذ أنّه على هذا المقياس، تُظهر المواد خصائص فريدة تختلف عن خصائصها على مستوى الحجم الأكبر، مما يفتح آفاقًا واسعة لتطبيقات جديدة في مختلف المجالات.
وعلى صعيد السيارات، تتيح المواد النانوية إمكانية تصنيع هياكل أخف وزنًا وأكثر متانة، مما يعزز كفاءة استهلاك الوقود ويقلل الانبعاثات الضارة. إلى جانب ذلك، تُحدث تكنولوجيا النانو ثورة في أداء البطاريات، مما يزيد من مدى قوة السيارات الكهربائية ويخفض من أوقات الشحن، كما تساهم الطلاءات النانوية في جعل السيارات أكثر مقاومة للتآكل والخدوش، مما يقلل من الحاجة إلى الصيانة المتكررة.
أما في مجال الطرق والبنية التحتية، فإن المواد النانوية تعزّز مرونة الأسفلت وقوَّته، مما يطيل من عمر الطرق ويقلل الحاجة إلى الصيانة.
ويضيف محمودي أن دمج مستشعِرات نانوية في الطرق يمكن أن يوفر مراقبة مستمرة لحالتها، مما يتيح التنبؤ بالصيانة اللازمة قبل حدوث أضرار كبيرة، هذه المستشعِرات قادرة أيضًا على قياس تدفق المرور بدقة، مما يساعد في تحسين إدارة حركة السير.
وفيما يتعلق بتنظيم حركة السير، فإن تكنولوجيا النانو تتكامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي لتطوير أنظمة مرور ذكية تعتمد على مستشعرات نانوية لجمع البيانات وتحليلها، بهدف تحسين حركة السير وتقليل الازدحام، كما يمكن استخدامها لتطوير شبكات اتصال بين السيارات والبنية التحتية، مما يسمح بتنسيق حركة المرور بشكل أكثر فعالية ويقلل من الحوادث.
ويشير أستاذ النانو إلى أن “هناك العديد من الأبحاث حول العالم التي تستكشف كيف يمكن لتكنولوجيا النانو أن تُحسّن قطاع النقل، مثل الأبحاث المتعلقة بتحسين أداء البطاريات واستخدام المُستشعِرات الذكية لتعزيز كفاءة البنية التحتية”. ويعتقد المتحدث أن الجزائر، ومع تقدّم برامج البحث العلمي في هذا المجال، قد تشهد زيادة في الأبحاث المحلية التي تستهدف تحسين قطاع النقل من خلال تكنولوجيا النانو، مما يمهّد الطريق لمساهمات محلية في هذا القطاع المتطور.
وبهذه الطريقة، لن يكون النانو مجرد تكنولوجيا، بل هو بوابة لمستقبل نقلٍ أكثر ذكاءً واستدامة، يجزم الأستاذ محمودي.

العلاقة بين “النانو” والذكاء الاصطناعي
ويقول محمودي أن تكنولوجيا النانو والذكاء الاصطناعي (AI) يمثّلان مجالين متطورين في العلوم والتكنولوجيا، تجمع بينهما علاقة تكاملية قوية تفتح آفاقًا واسعة من الابتكارات، هذه العلاقة تتجلى في عدة جوانب حسبما يراه.
من جهة، تساهم تكنولوجيا النانو في تحسين قدرات الذكاء الاصطناعي وتطويرها من خلال تصنيع أجهزة صغيرة الحجم وعالية الأداء مثل المستشعِرات والمعالِجات، فعلى سبيل المثال، الأنظمة النانوية تتيح تصنيع معالجات أصغر حجمًا وأسرع أداءً، مما يزيد من قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على معالجة البيانات بكفاءة أعلى، كما أن المستشعرات النانوية، بدورها، تُستخدم لجمع كميات هائلة من البيانات بدقة عالية في مجالات مثل النقل، وهي بياناتٌ يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليلها لتحسين عمليات التنبُّؤ واتخاذ القرار.
من جهة أخرى، يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزّز قدرات تكنولوجيا النانو، فعلى سبيل المثال، تُستخدم تقنيات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي في تصميم مواد نانوية جديدة وتطويرها عن طريق محاكاة خواصِّها وسلوكها قبل تصنيعها فعليا، ويرى المتحدث أن كل ذلك يقلل من التكلفة والوقت اللازمين للبحث والتطوير، وكذلك يُستخدم الذكاء الاصطناعي في مراقبة البيانات الناتجة عن العمليات النانوية وتحليلها في الوقت الفعلي، مما يتيح تحسين دقة هذه العمليات وكفاءتها.
والعلاقة التكاملية بين تكنولوجيا النانو والذكاء الاصطناعي تمتد أيضًا إلى التطبيقات العملية؛ ففي الصناعة، يمكن للروبوتات النانوية التي يجري التحكم فيها بواسطة الذكاء الاصطناعي القيامُ بمهام دقيقة للغاية تتطلب تحكمًا وتنسيقًا عاليين.
ويعدّ الخبير في المجمل، أن العلاقة بين تكنولوجيا النانو والذكاء الاصطناعي هي علاقة تكاملية تعزّز قدرة كل منهما على تقديم حلول مبتكَرة وفعالة لمجموعة واسعة من التحديات في مختلف المجالات.
ومن هنا تتجلى النظرة الإستراتيجية لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الذي أنشأ القطب العلمي والتكنولوجي عبد الحفيظ إحدادن، إذ يضم هذا القطب بين جدرانه المدرسة الوطنية العليا لعلم النانو والنانو تكنولوجيا، وكذلك المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، فهذا الجمع بين المؤسستين يعكس إدراك القيادة لأهمية التكامل بين تكنولوجيا النانو والذكاء الاصطناعي.

هكذا يتجه “العباقرة” نحو قطاع النقل
غالبا ما يتجه عباقرة ونوابغ الذكاء الاصطناعي وحتى تكنولوجيا النانو في الجزائر إلى تطوير حلول وتطبيقات من شأنها فكّ أزمات عدة قطاعات على رأسها النقل والمواصلات.
ويؤكد البروفيسور محمد لمين خرفي، أن الجزائر تمتلك جميع المقوِّمات اللازمة اليوم لتحقيق قفزة نوعية في مجال الذكاء الاصطناعي. ويقول خرفي: “بلدُنا يزخر بجيل من الطلاب المتخرجين بكفاءات عالية، ومؤسسات ناشئة تتزايد اهتمامًا بهذا المجال يوما بعد الآخر، إلى جانب خبراء ودكاترة جزائريين يقيمون في الخارج”.
وأشار البروفيسور خرفي إلى أن تحقيق مشاريع نقل كبرى تستغل هذه المقوّمات، من شأنه أن يُحدث طفرة في القطاع، عبر تحسين حركة المواصلات وتقليل حوادث المرور.
أما الأستاذ محمودي، فيرى أن الاستفادة من طلاب المدرسة الوطنية لعلوم النانو ستكون من خلال انخراطهم في مشاريع بحثية وتطبيقية أثناء مسيرتهم الدراسية، إذ سيعمل الطلاب على حلّ مشكلات حقيقية تواجه القطاعات المختلفة في الجزائر، بما في ذلك قطاع النقل، وقد تتنوَّع هذه المشاريع بين تحسين تقنيات موجودة وابتكار حلول جديدة، مما يساهم في دفع عجلة التنمية التكنولوجية والاقتصادية في البلاد.
ويرى محمودي، أن تصريح وزير التعليم العالي والبحث العلمي البروفيسور كمال بداري، بأن الوزارة تتجه نحو جامعة من الجيل الرابع وبحث علمي من الجيل الرابع في مرحلة جديدة من الجزائر الجديدة، يندرج ضمن هذا التوجه، فجامعة “0-4” هي نوع من الجامعات التي تركّز على الابتكار، والبحث العلمي التطبيقي، وريادة الأعمال، وتهدف هذه الجامعات إلى تحقيق التميز الأكاديمي من خلال تطوير بيئة تعليمية وبحثية متقدمة، وتعزيز الشراكات مع الصناعة والمجتمع، واستخدام التكنولوجيا الحديثة في التعليم والتعلم، إذ أن الطالب سيتحول من باحث عن عمل إلى مبتكِر للثورة الصناعية والتكنولوجية عن طريق إنشاء المؤسسات الناشئة وتسجيل براءات الاختراع.
وفي الأخير، فتطوير استخدام هاتين التقنيتين، أي “الذكاء الاصطناعي/ النانو تكنولوجيا”، سيؤدّي دورا كبيرا في تحسين جوانب النقل والبنى التحتية في الجزائر خلال 10 سنوات كأقصى حد، إذا سارت الأمور كما يجري التخطيط لها، كل ذلك سيؤدي إلى طرقات أذكى، وسيارات أعلى كفاءة، وسائقين أكثر أماناً.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • عابر القارات

    كذب المنجمون لو صدقو