جسر الأحزان..!!
-1-توافق سكان ثلاث جزر متجاورة في أحد البحار، على تشييد جسر يربط فيما بينهم، فتبرع أهل الجزيرة الأولى بما يلزم هذا المشروع من الرمل، وتبرع أهل الثانية بما يحتاجه من الإسمنت، أما أهل الجزيرة الثالثة فتعهدوا بتقديم الحديد الكافي لجسر الأحلام العظيمة..!!
ونهض الجسر المأمول.. غير أنه لم يصمد سوى أيام قلائل، لينهار بعدها انهياراً مريعاً، جعل سكان الجزيرة الأولى يندبون حظهم العاثر، وخسارتهم الفادحة، للكميات الضخمة من الرمال التي حشدوها لإقامة ذلك الجسر اللعين.. وندب أهل الجزيرة الثالثة سوء طالعهم، وتأسفوا متألمين على ما أضاعوه في المشروع من “الإسمنت” الثمين..!!
أما أصحاب الجزيرة الثالثة فاجتمعوا أمام الجسر المنهار، وتحدث فقهاؤهم قائلين:
– الحمد لله على أننا لم نضع في ذلك الجسر حصتنا من الحديد..!! وإلا لكانت ضاعت علينا وأصبحنا على ما فرطنا به نادمين..!!
ومن يومها.. كلما سمعت أو رأيت، أو قرأت عن مشروع فني، أو ثقافي استحال إلى أنقاض.. رحت أفتش بين الشركاء فيه عن أصحاب الحديد..!!
.
–2–
وما من مرة حضرت فيها مهرجاناً عربياً للإذاعة والتلفزيون، إلا كان “الإنتاج المشترك” بين أبرز العناوين للندوات المرافقة للفعاليات “المهرجانية”، وكنا نخرج من هذه القاعة أو تلك وقد “فتلت” الحماسة النظرية رؤوسنا، حتى ليخيل لأحدنا أن المهرجان التالي سيخصص للسباق بين الأعمال الدرامية، أو البرامجية المشتركة لكثرتها وتنوعها..!! ولكن موائد الطعام “المشترك” لن تشهد – بعد قليل – سوى “التشنيع” و”النقد الذاتي” و”التنكيت” و”التبكيت” على واقع ثقافة العمل المتردية بصورة عامة في الوطن العربي..!! فما بالك بثقافة العمل المشترك..!! وفي ميدان الدراما التلفزيونية على وجه الخصوص..!! ثم ينفضُّ سامر المهرجان، وليس في الذاكرة من موضوع “الإنتاج المشترك” سوى بضع “نكات” وأصداء لضحكات بريئة “مشتركة” كان فجرها زميلنا المخرج السوداني، وهو يقص علينا حكاية “محجوب” الذي اشترك مع عشرة سودانيين آخرين في إنشاء محل بقاليّة متواضع، وكتب فوقه لافتة: “محجوب عبد الدايم وشركاه للبقالة”..!! ومع توسّع المشروع تمكّن بعد مدة أن يستبدل تلك اللافتة فصارت: “محجوب عبد الدايم وشريكاه للبقالة”، ثم تحولت إلى “محجوب عبد الدايم وشريكه للبقالة”.. وأخيراً وفي احتفال كبير صاخب تعلقت عيون الناس الحاسدة بيدي “السوبرمان” محجوب وهو يعلق لافتته الجديدة: “محجوب عبد الدايم.. لا شريك له.. للبقالة”..!!
ويعلق صديقنا الناقد التونسي على هذه الطرفة بأن من أعاجيب المفارقات في ثقافتنا الشعبية، وحتى “الرسمية” أنها تحفل بالنصائح والحكم المتناقضة، فحيناً تجدها تحضّ على التعاون والمشاركة والعمل الجماعي: “يد واحدة لا تصفق” و”قوم تعاونوا ما ذلّوا..” إلخ. وحيناً آخر تدعو إلى العمل الفردي وفضّ “الشراكات” كما تفعل نكتة محجوب السوداني وأمثالها من الفكاهات الكثيرة المتداولة في الثقافة الشعبية العربية..!!
هذه كانت بعض شجون “الإنتاج المشترك” وشؤونه، تبادلنا طرائفها – زميلي في السفر المخرج السوري فراس دهني وأنا – قبل وصولنا إلى البحرين، بمهمة البحث في إنتاج درامي مشترك بين التلفزيون السوري والتلفزيون البحريني “الشقيق”.
.
–3–
“هَبينا غريبين.. باعد ما بيننا كل شيّْ
أليس – فديتك – أزهار فنّك بين يديّْ
خذي من صلاتي
فإن حياتي
ربيع يجدده طائران
ستحيين للدفء ما أنا حيّْ”.
وكم تمنيت، وأنا أردد هذا المقطع الشعري، في الطائرة، على مسمع زميل الرحلة، لو أنّ قائله – شاعر البحرين وأديبها الكبير إبراهيم العُريِّض – ما يزال على قيد الحياة؟ لكنّا قابلناه وسألناه:
– كيف تسنى لمبدع كبير ومعمَّر مثله (1908 – 2002 ) عشق الشعر العربي القديم، وترجم رباعيات الخيام شعراً عن الفارسية مباشرة، وبحث في قضايا أدبية كبرى من منظور فكر كلاسيكي واضح الأبعاد، أن ترق ألفاظه، وتلين صياغة جملته الشعرية، وتفيض موسيقاه عذوبة، وهو يقوم بجولة استطلاعية في حقول شعر التفعيلة، كما في هذه القصيدة التي علق منها في ذاكرتي المقطع – أعلاه – الذي قد يحسبه القارئ – لأول وهلة – من أشعار صلاح عبد الصبور، أو عبد المعطي حجازي، أو بعض شعراء الحداثة الآخرين؟!
ولو كانت لرحلتنا أهداف أدبية الطابع، لتوقفنا عند كثير من المحطات والشخصيات البارزة في التاريخ الأدبي للبحرين، ولكننا ذاهبان إلى البحرين للتباحث في مشروع إنتاج درامي مشترك فيما بيننا.. وفي ذهننا أن نقابل البارزين من أهل هذه الصناعة، وقد علمنا أنّ في البحرين عدداً كبيراً من الممثلات اللواتي تعتمد عليهن الدراما الخليجية اعتماداً كلياً لعدم وجود ممثلات في الدول الخليجية الأخرى.. وأنّ أجورهن هي الأعلى دائماً، وهذه معلومة “إنتاجية”..!! _
وفي اللقاء التعارفي الأول مع المستشار “محمد البنكي” (الذي يوحي اسمه بطمأنينة مالية تامة) سألني عن أبرز العناصر المؤثرة في الإنتاج الدرامي، فوجدتني أقصّ عليه حكاية صديقي الذي بات معروفاً بيننا بلقب “أبو المشاريع الكبرى” لأنه يحدثنا بين الفينة والأخرى عن مشروع درامي ضخم قد أشبعه درساً، وأحكمه إتقاناً، وضمن له النجاح المؤزر، ولا ينقصه سوى عنصر صغير تافه، لا تجدر الإشارة إليه بغير طرف الإصبع..!! وحين نسأله عن هذا الشيء “الناقص” التافه، كان يجيبنا خطفاً، وبطرف اللسان:
– رأس المال..!!