الرأي

جمع “التكسير” لبناء الإجماع بالتوافق

حبيب راشدين
  • 2084
  • 1

لا أعلم يقيناً هل ستحظى مبادرة “الأففاس” بموافقة أغلب الأطراف المدعوة، أم إنها ستُقبر مثلما قُبرت مبادراتٌ سابقة؟ لكني أعلم مما سمعت حتى الآن، أن النوايا الحسنة المعلنة لا تكفي لتحريك تروس آلة صناعة التوافق، كما إن النوايا السيئة ليست بالضرورة هي أكثر ما ينبغي أن نخشاه من بين كثير من المعوقات التي قد تُحبط مسار التوافق، وقد يحتاج الطرف المبادِر إلى تهجية أبجدية صناعة التوافق قبل أن يحرّك اللسان بمضامينه.

أول حرف في جملة صناعة التوافق هو استكشاف مقدار إحساس الفرقاء بحاجة البلد إلى مسار إصلاحي توافقي، يحررها من الجمود المستديم، بعد أن يستطلع حقيقة شعورهم بالأخطار التي تهدّد أمن البلد ومعه مصالحهم، وفي الحالة التي تعنينا، لا يمكن لأحدٍ منهم أن ينفي حاجة البلد إلى طرق باب الحوار المنتِج لتوافق لا يُرجى منه، ابتداء، تحقيق الغلبة لطرف على طرف، بقدر ما يؤمل منه ضمان الغلبة للوطن أولا وأخيرا.

غير أن هذا لا يكفي ما لم يتعامل الطرف المبادِر مع الفرقاء ومع نفسه، كما يتعامل الطبيب النفساني مع المبتلى بالوسواس الخناس، فيسبر في العمق حدود المخاوف والوساوس المعلنة والدفينة عند كل طرف، ويستكشف الحدود العليا والدنيا للمغانم التي يتطلع إليها، ويقف عند مثلها من المغارم التي يخشاها كل طرف، وأخيرا مقدار استعداده ليكون جزءاً من الحل، بعد أن يقتنع أنه كان بالضرورة جزءاً من المشكلة، حتى يصلح أن يكون شريكاً في علاج جسد معتل هو عضو منه، وربما هو حرف العلة.

يكفينا في الحد الأدنى أن يقرّ أركان النظام وأقطاب المعارضة، أننا بصدد مؤسسات حكم عتيقة، مهترئة، واهية، قد أصيبت بالشيخوخة المبكّرة، كما تصاب جميع الكائنات المولدة بطريق الاستنساخ، وهو من قضاء وقدر دستور استنسخ من مسخ، ومنها هذه الطبقة السياسية وأحزابها المستنسخة بالجملة من صبغيات الحزب الواحد، قد أخذت عنه المورثات الخَلقية والسلوكية، ومنها مؤسسات الحكم التي ورثت عن سلفها أعراض “متلازمة داون”، وأنه ما كان لوصفات دستور 89 أن تعالج  التثلث الصبغي” أو تصلح ما كان قد أفسده الدهر الذي أكل فيه الحزب وحده وشرب.

ويكفينا أن يقرّ الجميع، أنهم كياناتٌ قد أصبحت خارج الخدمة، عتيقة، هرمة، قد هراها صدأ لا ينفع معه الكشط، ولا يعطله الدهن، ومع ذلك هي كل ما عندنا، ولن نقامر بإخراجها من الخدمة قبل ابتكار بديل مقبول آمن، لا يمكن أن يصنع بالراشي من قطع الغيار، أو بعقار يستحضره العطار.

ما يحتاجه البلد هو بناء مؤسسات جديدة لدولة حديثة، أهل لبلد فتيّ، أكثر عمّاره صبايا وفتوة، فسيح، ثري، واعد بكثير من الخير والخيِّرين متى أُصلحت الآلة، واجتبي لها الصالح للقيادة، ولن يكون بوسعنا التفلّت من استحقاق صناعة أوسع توافق على عقدٍ اجتماعي جديد، لشعب واثق في نفسه، يكتب بنفسه لنفسه دستورا مبتكَرا، داخل مجلس تأسيسي منتخب، يمنحه الوقت والدعم والثقة، حتى يؤمّن حقوق هذا الجيل، ثم لا يغمط حقوق أجيال لم تولد بعد. 

مقالات ذات صلة