الرأي

“جياب” محرر الفيتنام وموحدها

صالح عوض
  • 2265
  • 2

عن عمر ناهز الـ102عام، قضى الجنرال جياب بالأمس نحبه، وقد أمضى معظم عمره في مواجهة المستعمرين الفرنسيين والأمريكان، حيث ألحق بجيوشهما هزائم تاريخية أوقفت غطرستهما إلى حين.. هذا الصحفي المناضل، مدرس مادة التاريخ والحاصل على إجازة في العلوم السياسية هو من حقق لشعبه وبلاده من خلال تفانيه وإيمانه ووعيه وعبقريته انتصارات تاريخية جعلت منه ومن كفاح شعبه قدوة للبشرية ونموذجا للأحرار في العالم.

أول ما تعرفت على موقعة ديان بيان فو من قراءتي لمذكرات القائد الكبير العربي بن مهيدي عندما أعلن إضراب عام في مارس 57، وقال سأحول الجزائر إلى ديان بيان فو ثانية وأوصل القضية الجزائرية إلى الأمم المتحدة.. وما هذه الموقعة الا رمز انتصار الجنرال جياب التي قاد خلالها حصاراً خانقاً على القوات الفرنسية طيلة 60 يوماً وأجبرها على الاستسلام في 7 جوان 1954، ما أدى إلى انكفاء الفرنسيين إلى الجنوب وقيام جمهورية فيتنام الديمقراطية في الشمال وعاصمتها هانوي، وفي اعام 1944 قاد النضال ضد القوات اليابانية الغازية أثناء الحرب العالمية الثانية.

عكف فو جياب، خلال الأعوام الثمانية التالية التي تلت 1945 حيث لجأ إلى الأدغال هو والقائد الفيتنامي الشهير هوشي منه، على وضع الإستراتيجية التي أدت إلى هزيمة الفرنسيين، ثم الأمريكيين وحكام فيتنام الجنوبية، وكان قد صاغ، خطة على ثلاث مراحل لتحقيق استقلال بلاده، ففي المرحلة الأولى تنفذ قواته عمليات عسكرية محدودة وحرب عصابات، وفي المرحلة الثانية، تتوحد الفصائل التي تخوض حرب العصابات في وحدات نظامية، وفي المرحلة النهائية تكوَّن وحدات كبيرة من تلك القوات تشجع المدنيين على الانتفاضة دعماً للثورة.

وبهذه الخطة بدأ جياب في عام 1959 دعم الثوار في الشطر الجنوبي. وكاد الأمريكيون، الذين آل اليهم استعمار جنوب فيتنام بعد الفرنسيين، أن يسحقوا قوات الفيتنام، منفذين غارات جوية بلا هوادة على معقل الثوار في هانوي.

إلا أن جياب في عام 1972، عاد لإحياء خطته، في عملية أُطلق عليها “هجوم عيد الفصح”، وكان لتكتيكاته الفضل في هزيمة الأمريكيين وإرغامهم على الانسحاب عام 1975.

يقول الكاتب الأمريكي الشهير هوارد آر سيمبسون في كتابه “ديان بيان فو: المعركة الملحمية التي نسيتها أمريكا”، إن “استهانة أي جيش نظامي بالوحدات القتالية غير التقليدية للعدو التي تخوض حرب عصابات، خطيئة عسكرية كبرى”. وهذه تحديداً النظرية التي نجح جياب في تكريسها عملياً.

من أقواله المشهورة: “إننا لسنا أقوياء لإخراج نصف مليون جندي أمريكي من الجنوب، لكننا نريد كسر شوكة الحكومة الأمريكية عبر استخدام قوتنا البشرية الصغيرة في مواجهة آلة الحرب الأمريكية العملاقة”. لقد قضى ما يقارب 4 ملايين فيتنامي نحبهم في معركة لاتوازن قوى فيها وقضى اكثر من 58  الف أمريكي ومئات آلاف الجرحى الأمريكان، وكان الانتصار حليف الفيتناميين بقيادة الجنرال جياب الذي رفض فيما بعد تولي أي منصب حكومي واعتزل الحياة السياسية حتى وفاته.

 

انه رجل كبير بهمة عالية وعزيمة فولاذية استطاع ان يخلد اسم بلاده في سفر الحرية والكرامة باقتدار وضرب مثلا لكل المستضعفين في الأرض أنه بالإمكان إنزال الهزيمة في الامبرياليين المستكبرين، وان ضعف الإمكانيات وقلة الوسائل ليس مبررا للتخلي عن واجب المقاومة، فيمكننا برفع منسوب التضحيات تحقيق التوازن الاستراتيجي والانتصار.

مقالات ذات صلة