الرأي

جيش الجزائر … حارس السيادة وراعي الاستقرار

بقلم: ساعد عروس *
  • 381
  • 0

في الرابع من أوت من كل عام، تقف الجزائر وقفة اعتزاز وتقدير أمام واحدة من محطاتها الوطنية البارزة، تخليداً ليوم تاريخي يرمز إلى تحوّل جيش التحرير الوطني إلى الجيش الوطني الشعبي، في خطوة شكلت أولى اللبنات المؤسِّسة للدولة الجزائرية الحديثة، المستقلة، ذات السيادة.
وقد جاء قرار ترسيم هذا اليوم الوطني، بمبادرة من رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، عبد المجيد تبون، ليمنح هذه الذكرى بعدها الرمزي والدستوري، ويكرّس وفاء الدولة الجزائرية لتاريخها التحرّري، وتقديرها العميق للجيش الذي ما فتئ يشكل، منذ ميلاده من رحم الثورة، الدعامة الصلبة للدولة، والحارس الأمين لثوابتها الوطنية.

جيش الشعب… عقيدة الولاء للوطن
يتميّز الجيش الوطني الشعبي عن غيره من جيوش العالم بخصوصية فريدة: إنه جيش لم يُنشأ بمرسوم فوقي، بل وُلد من صميم المعاناة الشعبية، وتشكل من لهيب ثورة حرّرت الأرض والإنسان. لذلك، لم يكن الجيش مؤسسة مهنية فقط، بل كان – ولا يزال – انعكاسًا لصوت الأمة وروحها، متجذرًا في وجدانها، نابضًا بقيمها.
واليوم، تُواصل هذه المؤسسة العريقة أداء رسالتها النبيلة، في كنف الجمهورية الجديدة، التي ما انفك رئيسها يثمّن دورها المركزي في صون الاستقلال الوطني، والحفاظ على وحدة التراب، ومرافقة التحولات التنموية، والتفاعل الواعي مع رهانات عالم يزداد اضطرابًا وتعقيدًا.

محيط إقليمي ملتهب… وردٌّ استراتيجي هادئ
في زمن تتقاطع فيه الأزمات وتتشابك فيه التهديدات، تبرز الجزائر كصوت للعقل والتوازن، بفضل عقيدتها الخارجية القائمة على عدم التدخل، واحترام السيادة، والدفاع عن السلم والأمن الإقليميين. لكن، في المقابل، تتطلب المعطيات الأمنية المحيطة – من الساحل الإفريقي إلى شرق المتوسط – تحصينًا متواصلاً للحدود، وتعزيزًا مستمرًا للجاهزية العسكرية.
وقد برهنت المؤسسة العسكرية على قدرتها الفائقة على التكيّف مع تطورات السياق الجيوسياسي، من خلال تأمين أطول حدود برية في القارة، ومرافقة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى دعم الاستقرار في الجوار، وتكثيف المبادرات الدفاعية الاستباقية لمواجهة كل مصادر التهديد، التقليدية منها والهجينة.

حماية الطموح التنموي… واجب سيادي
لم تعد حماية السيادة مرادفة للبعد العسكري فقط، بل أصبحت تتقاطع مع الأمن الاقتصادي، والقدرة على تأمين المشاريع الاستراتيجية، ومرافقة جهود الدولة في بناء منظومة إنتاجية واعدة. وفي هذا الإطار، تحوّل الجيش الوطني الشعبي إلى شريك محوري في صون المكتسبات التنموية، وتأمين البنى التحتية الطاقوية، ومرافقة المشاريع الكبرى التي تراهن عليها الجزائر لتعزيز مكانتها الاقتصادية قاريا ودوليا.
إن تأمين مشروع غار جبيلات، وممرات السكة الحديدية نحو الجنوب الغربي، والطريق الرابط مع موريتانيا، والمزارع الاستراتيجية في الصحراء، وسائر المبادرات الإنتاجية، ليس مجرد مهمة تقنية، بل تعبير عن رؤية سيادية شاملة للدولة في ظل قيادة تُؤمن بأن التنمية لا تُبنى في ظل الفراغ الأمني.

الجيش والمجتمع… وحدة المصير ومناعة الهوية
وإلى جانب مهامه الدفاعية، اضطلع الجيش بدور محوري في صيانة النسيج المجتمعي، وحماية الشباب من أخطار المخدرات، والتصدي لشبكات الإفساد العابر للحدود، فضلا عن مواجهة الحملات الدعائية الممنهجة التي تستهدف وحدة الجزائر وهويتها واستقرارها، عبر ما يُعرف بالحروب الهجينة.
وقد أولت قيادة الجيش، بتوجيه من الفريق أول السعيد شنقريحة، أهمية كبرى للتكيّف مع التحديات الرقمية والمعلوماتية، من خلال تطوير قدرات الحرب الإلكترونية، وتعزيز الأمن السيبراني، واعتماد استراتيجيات حديثة لمجابهة التهديدات غير التقليدية التي أصبحت جزءًا من يوميات الدفاع الوطني.

إشراك المؤسسة العسكرية في شؤون الدولة… تكريس للكفاءة والولاء
في انسجام تام مع مسار الإصلاح المؤسساتي، فتح رئيس الجمهورية المجال لإطارات الجيش من الضباط العمداء والسامين لشغل مناصب عليا في الدولة، ضمن القطاعات الاستراتيجية الحساسة. وهي خطوة تنم عن ثقة الدولة في نخبها العسكرية، وتؤشر إلى انتقال الجزائر إلى مرحلة جديدة من الحوكمة، حيث تتلاقى الكفاءة مع الانضباط، والإرادة السياسية مع الأداء الاحترافي.

احتفاء يليق بالمقام
في هذا اليوم الوطني الخالد، تستحضر الجزائر تضحيات رجالها الأبطال، الذين ارتقوا دفاعًا عن الأرض والشعب، كما تستحضر إخلاص جنودها الساهرين على الحدود، والمرابطين في ثكناتهم، والعاملين بصمت في ميادين الدفاع والتطوير والتضحية.
وبهذه المناسبة المجيدة، تفخر المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي في مجلس الأمة، وتفاخر، بالانتماء إلى وطن تُجسّد مؤسسته العسكرية أنبل معاني الوفاء، وتُمثّل حصنه الحصين، وعنوان استمراريته، وسرّ مناعته.
وهي إذ تحتفي اليوم بالجيش الوطني الشعبي، فإنّما تحتفي بذاكرة الأمة، وبمستقبلها، وبوعد الجزائر الجديدة، التي تبني حاضرها بسواعد أبنائها، وتحرس غدها بعين لا تنام.

*رئيس مجموعة الثلث الرئاسي بمجلس الأمة.

مقالات ذات صلة