حان وقت التغيير
أحرز البرتغالي كريستيانو رونالدو خمسة أهداف لفريقه ريال مدريد في مرمى جرانادا في لقائهما ظهر الأحد الماضي في الدوري الاسباني لكرة القدم، فانهمرت الإحصاءات كالأمطار في كل الصحف والشاشات والمواقع.
إحصاءات من كل حدب وصوب عن كل شيء يتعلق بالأهداف والهدافين والدوري ورونالدو.. ووصل بعضها في عمقه ودقته إلى حد لا يصدق من جمع للمعلومات ومقارنتها بعضها ببعض، منها أنه أصبح سابع لاعب في تاريخ نادي ريال مدريد يسجل خمسة أهداف في مباراة واحدة بالدوري.. أو أنه أسرع لاعب أجنبي في تاريخ الدوري يسجل ثلاثة أهداف متتالية في ثماني دقائق في مباراة بالدوري.
التفاصيل الكاملة لعشرات الاحصاءات حول الأمر تحتاج صفحات كاملة للخوض فيها.. ولا يعنيني منها سوى عددها الضخم ودقتها الفريدة وحجم التوثيق الأسطوري للمعلومات في المسابقات الرياضية في اسبانيا، رغم أن بعضها يزيد عمره عن المائة عام، وأخرج من تلك المعلومات والاحصاءات حزينا مهموما على حالنا في الرياضة العربية ونحن عاجزون عن معرفة أبسط الإحصاءات في أغلب المسابقات العربية لكرة القدم، رغم أن معظمها لم يدخل حيز الوجود إلا في الستينات من القرن الماضي أو ما بعدها.. ولا فارق هنا بين مصر أقدم الدول تأسيسا لاتحاد الكرة ومنتخبها ومشاركة في المسابقات الدولية وبداية لبطولتي كأس مصر (1921) والدوري العام (1948).. وبين بقية جيرانها من المغرب والجزائر وتونس وليبيا غربا إلى السودان جنوبا وكل الأشقاء العرب في القارة الأسيوية، وأتحدى شخصا سواء كان مسؤولا أو إعلاميا يحدد لنا بمنتهى الدقة والصدق عدد المرات التي سجل فيها اللاعبون هاتريك (ثلاثة أهداف) أو أكثر في مباراة واحدة في الدوري المصري أو الجزائري أو السعودي أو العراقي أو غيرها.
فما بالكم إذا طالبت أحدا بمعرفة توقيت إحراز الهاتريك في كل مرة لمعرفة الهاتريك الأسرع بين كل تلك المناسبات.
نحن في العالم العربي عشنا طويلا على هامش التاريخ في الشأن الرياضي وعندما مارسنا المسابقات الرياضية، نظرنا إليها نظرة دونية باعتبارها شأنا ثانويا للترويح وإضاعة الوقت.. وحتى عندما اكتشفنا عن أهميته في عمليات التنمية والتطوير ورفعة شأن الشعوب اقتصر اهتمامنا على الشأن الاقتصادي لضخ الأموال وبناء الملاعب وشراء الأجانب من مدربين ولاعبين أو زيادة مساحة الاعلام من صفحات وصحف أو شاشات وقنوات.. ولكننا لم نعط للتوثيق والمعلومات والدقة أي مساحة وللأسف حتى يومنا هذا!!
ولدينا عشرات النماذج.
فلا أحد في مصر مثلا يعرف من هو اللاعب الأكثر اشتراكا زمنيا في مباريات الدوري الأخير.. ولا يمكن لأي إعلامي في الجزائر أن يحدد نسبة فاعلية أي مهاجم في الدوري الجزائري بين عدد أهدافه والدقائق التي لعبها في المسابقة السابقة.. ولا يمكن لأي صحفي في تونس أن يرتب لنا أفضل عشرة لاعبين في الدوري في عدد التمريرات النهائية الصحيحة التي أسفرت عن أهداف (اسيست) في الموسم الماضي.
الإعلام الرياضي عربيا (ونحن منه ولا نتبرأ أبدا من خطاياه) غارق في أمور ترفيهية بين الجدل والإثارة والسبق والأزمات والمشاكل والمعارك وأخطاء الحكام والحياة الخاصة للاعبين وأسعارهم ورواتبهم وسهراتهم.. وهي المادة اليومية الدائمة لأغلب أغلفة المجلات والصحف الرياضية في كل الدول العربية بلا استثناء.
حان الوقت للتغيير لإعادة الوعي إلى جمهور الرياضة وانتشاله من هاوية الخناقات والتفاهات إلى محيط المعلومات من إحصاءات ووثائق تكشف قدرات النجوم.
لا أخفي سرا أن الاتحادات الرياضية تتحمل المسؤولية الأولى عن توفير الاحصاءات عبر لجان متخصصة تعمل من خلال الاتحادات.. وتضم أشخاصا على مستوى رفيع علميا وتأهيليا، ومتفرغين تماما لعملهم باستخدام أحدث التقنيات الالكترونية.. وتقدم تلك اللجنة للاتحاد كل شيء من معلومات وإحصاءات عن كل مباراة في الدوري ليستفيد المسؤولون في اللجنة الفنية وفي الجهاز الفني للمنتخب وفي لجان الحكام وفي الأجهزة الفنية للأندية من تلك المعلومات والاحصاءات وتترجم إلى تدريبات لتنمية زوايا القصور عند كل لاعب.. وتطوير أساليب اللعب للاستفادة من نقاط القوة عند النجوم.
وحان الوقت للصحف والشاشات والمواقع الرياضية للتركيز بمساحات أوسع للاحصاءات والأرقام والوثائق والمقارنات الجادة لتطوير القارئ والمشاهد إلى المستوى العلمي المواكب للعصر.. وغرس ثقافة جديدة ترتقي بعقل المتفرج وتغرس أهمية الرياضة وقيمتها عند الجميع.
الرياضة في العصر الحديث هي قاطرة مهمة للتنمية والتطور وارتفاع شأن الأمم والشعوب.. والعلم هو الوقود الأكبر لتلك القاطرات.