حتى لا تضيع جهودنا هباء.. توقفوا لحظة!
هل نترك لليأس سبيلا إلى قلوبنا فيكسر واحدُنا يراعه وينحني عليه انتحارا بعد أن أصبح العدو في كل تفاصيلنا وسلمه بعضنا مقاليد أمورنا وفتحوا له الأبواب والنوافذ وأعطوه بسخاء مفاتيح مخازننا؟.. قال لي أحد القراء النابهين في رسالة محكمة: لماذا تشغل نفسك كثيرا بالحديث عن الغرب الاستعماري ومشاريعه ومؤامراته وأساليبه فيما لا تركز على ما يحصل داخل بلداننا من إهدار للطاقات وتضييع لفرص الحياة الكريمة؟.. وأسهب صديقي في ذكر مظاهر الفوضى في بلاد العرب والإسلام..
أعترف أنه وضعني أمام نفسي لأبحث: هل مرد ذلك غفلة مني؟ أم تهيبا من تناول الأوضاع الخاصة للبلدان، وما يثيره ذلك من حساسيات؟ أم قلة معرفة لما يحدث هنا وهناك؟ أم إحساس بأنه من غير المهم تناول مثل هذه المواضيع؟.. وبعد تقليب الموضوع على هذه التساؤلات، أؤكد أنه ليس لأي من هذه الأسباب، إنما هو لسبب جوهري وهو أن كل ما يجري في بلداننا إنما هو انعكاس مباشر لمخططات العدو في ساحتنا العربية والإسلامية.. لقد قاومنا الاستعمار في كل مكان وقاتلناه وطردناه وجاد أهلنا بأرواحهم وبذلوا أقصى ما يمكنهم بذله.. لكن عدم قدرتنا على اكتشاف أساليب الاستعمار الخفية والقوية جعل كل إنجازاتنا في مهب الريح؛ ذلك لأنه لم ينهزم ويعطينا ظهره بل انسحب خطوة ليلتف إلينا من مئة جبهة.. فالمعركة بهذا المعنى لا تزال قائمة وبأشكال أعنف.. وأشعل نيرانا وهمية تغطي اختراقاته ليصرفنا إلى معارك ثانوية ويستنزف بذلك طاقاتنا ويخرب ما يمكن أن ننجزه.
إنني أتفق مع المفكر الكبير مالك بن نبي في أن الحالة الاستعمارية تنتج عن تحالف المُعامل الاستعماري ومعامل القابلية للاستعمار، لكني أذهب إلى التدقيق في معامل القابلية للاستعمار، وأعتقد أنه قد أن الآوان لشرحه وتفصيله ووضعه في حجمه الطبيعي، وما هو حقيقي فيه وما هو تابع ومؤقت.. لابد من تدبر القابلية للاستعمار: هل هي نتيجة مناخ بلداننا العربية الصحراوي أو الساحلي؟ أم هل هي نتيجة عقائدنا المقدسة والتزامنا بتقاليد ميبسة؟ هل هي نتيجة الجهل والأمية؟ أم هل هي نتيجة مظاهر الفتن الداخلية والصراعات الفئوية وسواها؟ أيضا كل هذا له اعتبار وقيمة سلبية في مقاومة الأمة، لكن الذي لابد من فهمه أن وجود المعامل الاستعماري في هذه المسألة كبير جدا.. بحيث القابلية للاستعمار هي ناتج طبيعي للمعامل الاستعماري..
العدو الاستعماري يصنع لنا أفكارا في مختبراته ويلقي بها في مجتمعاتنا ويجلب لها بعض مرضى القلوب وضعاف النفوس وينفخ فيهم فيصبحوا قادة فكر وسياسة.. لقد صنع لنا الغرب ديانات كالبهائية وقذف بها في مجتمعاتنا، وصنع لنا اجتهادات مدمرة بشعارات وأشكال إسلامية وشجعها وزوّدها بكل أدوات التخريب.. كما أنه صنع لنا نخبا ثقافية تغريبية ودرّب نخبا إعلامية فاسدة لا همّ لها إلا زعزعة اليقين وإفشاء روح الهزيمة في الأمة..
ثم إن العدو الاستعماري يجوّع مجتمعاتنا ويجهّل أبناءنا من خلال عمل منهجي للتحكم بثرواتنا واللعب بها فيما تقف حاملات طائراته وبوارجه وجيوشه والفتاك من سلاحة على أهبة الاستعداد.. وبعد أن صنع بقوة السلاح في بلداننا كيانات ليس من مهمة لها الا استنزاف المنطقة وإرباكها وإلقاء الفتن المسلحة بينها، من الكيان الصهيوني وأشباه الكيان الصهيوني.. ويحرمنا من امتلاك التكنولوجيا وسرّها ويشرف على عملية زجّنا في التخلف بحصارنا تلو الحصار.. من هنا لابد من التركيز على المُعامل الاستعماري العنصري وكشف أساليبه وفضح مؤامراته والتحريض ضد عنصريته وجريمته.. لأن معظم ما نشاهده في بلداننا من تشتّت واستهتار وتفلّت وفوضى ليس من سبب له إلا الاستعمار الغربي العنصري كما سبقت الإشارة إلى بعض أساليبه.
لا يستغربنّ أحد من هذا القول ولا يتسعجلن الأفكار لأن الترتيب هنا ضروري وإدارة الأفكار ضرورية وإلا نتحول شيئا فشيئا إلى مجموعات من الخوارج المثقفين أو المسلحين أو الهامشيين.. وهذا درس تاريخي كبير كان لابد من الأخذ به والالتزام بعبره.. فلقد سبق في تاريخنا الإسلامي أن شاهدنا كيف انسحبت مجموعاتٌ من خيرة أبناء الأمة غيرة ومروءة ورجولة من جيش علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لأنه توقف عن مقاتلة معاوية بن أبي سفيان الخارج على الخلافة الراشدة.. وبدل أن يتوجه أولئك المنسحبون من جيش الإمام علي إلى محاربة معاوية وجيشه الخارج على الخلافة، انقلبوا يحاربون عليا وجيشه الشرعي.. وهكذا نرى في كل زمان أن هناك عقلية خارجية تختزل المسألة بالارتداد على الذات فيما كان ينبغي الخروج للحرب على العدو الخارجي.. تجدهم يفتحون صراعا وحربا دامية بمجرد الاختلاف في الاجتهاد ويتركون العدو الذي يهدد وجودهم ومستقبلهم.
من هنا بالضبط، أعلنتُ سابقا وها أنا أعلن أن لا عدو لقلمي إلا أولئك الأشرار الذين يحاربون الأمة ويقصفون بيوتها ويدمرون حياتها ويعيثون الفساد في حياتها.. لا عدو لقلمي إلا أدوات الشيطان من فتن داخلية وصرف للأمة عن معركتها الحقيقية.. أما ما هو قائم في مجتمعاتنا من فوضى واستنزاف وهدر فأنا أعرف أنه مهما بلغت خطورته، إلا أنه انعكاس لما يفعله الاستعماريون فينا ولذا وجب قطع يد الاستعمار.. إن الفساد لا يبرر أبدا ولا بد للتصدي له، ولكن ضمن رؤية واعية للصراع الدائر مع الاستعمار الغربي العنصري.. وإلا سنتحول نتقاتل ونتذابح تاركين للعدوّ فرصة الهيمنة على الجميع لأن الجميع حينذاك سيستنجد به ويستقوي به.
من هنا أقول لصديقي المثقف الرائع الذي نبهني إلى ضرورة ترتيب موقفي وتعميقه: إن المعركة الحامية والحقيقية ضد الاستعمار الغربي المعاصر العنصري وضد أساليبه ورغباته ومكائده هي المعركة الحقيقية، وبمقدار انتصارنا عليه فيها يضمحل مُعامل القابلية للاستعمار ويتناقص.. فليشدّ كل منا لجام فرسه ويعف عن الكلام المحبط داخليا ويتهيأ لمواجهة العدو الغازي في معركة تلو معركة حتى نفوز بالظفر ونحن لها لأننا أمة منتصرة بمنهج قويم منتصر.. تولانا الله برحمته.